شعار قسم مدونات

ترويض حصان اللغة الألمانية

blogs - talk
قديماً قالوا أن الإنسان سريع التأقلم مع البيئة التي يُوضع بها، و في حال لم يستطع ذلك فهو قادر على جعل البيئة تتأقلم معه، وذلك ما حدث مع القادمين الجدد إلى ألمانيا والذين كان عليهم أن يتعاملوا بلغة جديدة عليهم تتصف بالصعوبة وبحجم كلماتها الكبير، ما يجعل تعلمها بسرعة صعب أو ضرب من التميز، مما دعاهم للجوء إلى تطويع اللغة الجديدة بما يتناسب من اللغة العربية مع المراد من هذه الكلمات. فقاموا بتحريف بعض المفردات لتؤدي الغرض منها مع بقاء جزء من الكلمة الأصل.

ففي كلمة "kostenübernahme" وهي ورقة يحصل عليها اللاجئ من مكتب السوسيال آمت تعني أن السوسيال آمت يقوم بتحمل التكاليف لهذا الشخص والمتعلقة بالإطعام ومكان السكن، قام القادمون الجدد والمتحدثون باللغة العربية بتحوير هذه الكلمة لتتناسب مع الغرض منها بإضافة جزء عربي للكلمة، مع الإبقاء على ذات الهوية الصوتية للكلمة الألمانية وذات المغزى فأصبحت "kostenmanama". ومنامة تعني باللهجة العامية المكان الذي ينام فيه الشخص. 
 

وفي كلمة ثانية وهي "Anmeldung" عمد العرب من القادمين الجدد إلى ألمانيا إلى اشتقاق فعل يحمل جزء من حروف الكلمة و إضافته إلى اللغة العربية، واستخدامه بدلا من هذه الكلمة ليصبح "مَلدَن" أي حصل على ورقة الأنميلدونغ والتي تعني إشهار مكان السكن أو عنوان الإقامة في برلين.

إن قدرة الإنسان العربي على التكيّف مع اللغات الغريبة عنه أسهل بكثير من أي إنسان آخر، والإنسان السوري بالأخص قادر على ذلك؛ لأن أذنه اعتادت في بلده على أكثر من لغة في الشارع.

لم يقتصر على اللغة الألمانية، بل تجاوز ذلك إلى أسماء الأماكن التي تتميز بصعوبة لفظها، فقام السوريون بتسميتها بأسماء جديدة ومألوفة، فقد حدثني أحد الأصدقاء أن السوريين أصبحوا يدعون اسم "أم عمر" على المحطة التي تقع بالقرب من دائرة شرطة Amrumer straße. 
وأيضاً Ausländerbehörde أوجدوا اسما خاصاً بها وصاروا يدعونها "أبو اسكندر"..

الأجانب في برلين لكثرة زياراتهم لهذه المناطق تواضعوا على هذه التسميات التي يتغلبون بها على صعوبة اللغة الجديدة. لكن الأمر الذي لن يفهمه الألمان فهي تسمية الجوب سنتر بأبي جابر، وذلك للتخلص من هذه التسمية أثناء الحديث عن الجوب سنتر ومعاملاته في المواصلات العامة باللغة العربية، فهم يدركون أن من يعيش على مساعدات الجوب سنتر غير مرغوب به في المجتمع، بل يعتبر عالة عليه، فاضطروا لتسميته بأبي جابر للتخلص من هذه الكلمة، وللملاحظة أن اسم جابر مرتبط بفضيلة الكرم في التاريخ العربي "جابر عثرات الكرام" لا أكاد أجزم أنهم اختاروا هذه التسمية لدلالة الاسم بقدر ما اختاروها لأنها تحتوي على حرف الجيم الحرف الأول من الكلمة الأحنبية.

وتبقى قدرة الإنسان العربي على التكيّف مع اللغات الغريبة عنه أسهل بكثير من أي إنسان آخر، والإنسان السوري بالأخص قادر على ذلك؛ لأن أذنه اعتادت في بلده الأًصلي على أكثر من لغة في الشارع. فهناك الكردية والسريانية والآرامية في معلولا بالقرب من دمشق، مع أنها قليلة الاستخدام في الشارع ورغم أن النظام حاول التضييق _بحجة الحفاظ على اللغة العربية _ على هذه المجموعات اللغوية إلا أنها هي حافظت على لغاتها الخاصة وحفظتها من الاندثار.

كذلك فإن عقل الإنسان العربي مثل أرضه التي يسكنها منفتحا بحكم التجارة والسياحة على أكثر وأهم اللغات في العالم، في الشمال تجد الإيطالية والإسبانية والبرتغالية واليونانية والقبرصية والتركية، وفي الجنوب تجد اللغات الفرنسية والانكليزية بحكم الاستعمار ونشره للغة البلد المُستعمر، أو لغات البلدان الأفريقية الأصلية التي تحد الوطن العربي من الجنوب. و من الشرق تجد الفارسية والهندية والباكستانية، بذلك كان الإنسان العربي قادر على تعلم اللغات بسرعة وبتطويعها مع لغته الأم وهذا ما حدث مع القادمين الجدد لألمانيا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.