شعار قسم مدونات

فَوقَ السُّلْطة

blogs - history
إنّ المُتَتّبعَ للتّاريخِ البشريّ يُبصرُ الفجواتِ الّتي كانَت حيّة بين الفينةِ والأخرى بينَ الحكومةِ ونظامها، وبينَ الشّعبِ المُستهلَكِ عَلى مرّ السّنين.
 
فَمثلًا، على سبيلِ التّاريخِ العربيّ، وفي العودةِ إلى حَياةِ العربِ الأولى-أو ما عرفنا منها- نرى أنَّ الجَوْرَ كانَ قائمًا على كلّ ذي بشرةٍ سوداء، وعلى من لم يَكن من أشرافِ القومِ وسادتهم، فكانت العَصَبيّة القبليّة الأساسَ الحاميَ لكلّ ذي نَسبٍ شَريف، والظّلامَ الدّامسَ لكلِّ من هُم سِوى ذلك؛ فكان الإنسانُ إذا وُلدَ عَبدًا كُتبت عليهِ العبوديّة حتى الممات، بصرفِ النّظرِ عن عَملهِ وَخُلُقهِ وشجاعتهِ وكرمه.

بعدما جاءَ الدّينُ العظيم، دينُ الشّمولِ والعدل، نَزعَ الحقدَ والغلّ من قُلوب البشر، وألغى المفارقة إلّا على أساس التقوى، وحارب العصبيّة والفرقة.

وُمعظمنا يعرفُ قصّة عنترةَ العبسيّ الّذي استطاعَ إثباتَ نفسهِ رَغمًا عن كلّ تلك العاداتِ السّائدة، والّتي لا مجالَ لانتهاكها أو تعدّيها، حتّى من أسياد القوم وكباره، لكنّه بشجاعتهِ وقوّته الّتي احتاجتهُ قبيلته فيها بَرزَ حُرًّا أبيًّا.

وقد نشأت بعد ذلكَ ظاهرةُ الصّعلكة الّتي رَفضت أن تكونَ العصبيّة على أساس العرقِ واللّون والنّسب؛ فكانَ الصّعاليك وثاروا على الظّلمِ الّذي ألمّ بهم من غيرِ ذَنب.

وَبعدما جاءَ الدّينُ العظيم، دينُ الشّمولِ والعدل، نَزعَ الحقدَ والغلّ من قُلوب البشر، وألغى المفارقة إلّا على أساس التقوى، وحارب العصبيّة والفرقة، وقامَت سُلطتهُ الّتي تعلو ولا يُعلى عليها؛ لأنّها سُلطة السّلطان الأوحد؛ فكانت لهم الدّنيا يَسختلفونها، ويحكّمونَ شرعَ الله فيها، حتى أصبحَ الجَميعُ سَواسيةً، لا فرقَ للعربيّ على غيره إلّا بالتقوى، ولا ظُلمَ لأحدٍ على أحدٍ، حتّى الخليفة نفسه؛ فقد كانَ مُساءَلًا كغيره؛ فالحكمُ كُلّه لله.

وحينَ وَهنَ حَبلُ المسلمينَ الجامع بتَخاذل بعضهم، واتّباعهم للشّهواتِ وحبّ السّلطة والحكم، وبالدّسائسِ الّتي حيكَتْ لَهُم؛ تَشتّتوا وفُضَّت صفوفهم، فما كانَ من الاحتلالاتِ الفكريّة إلّا أن تَغزُوَ بِلادهم عَلَنًا -بَعدما كانَت خلسةً-، وتذيبَ هِمَمَهُم ، وتبعدَهم عن عقائدهم، وتشعلَ نار الفتنة بينهم؛ لِيسيروا كَما خَطّط لهم أعداؤهم مِن كَيدٍ وتعميةٍ، وتدويرٍ للتّاريخِ الفاسدِ بمظاهرَ جديدةٍ تُوهمُ أنّ ما كانَ يُناسبُ حَياةَ النّاسِ قبلَ قرونٍ من قوانينَ وتشريعاتٍ لَم يَعُد يُناسبُ حياتَنا هذه الأيّام!وأخذت تنخرُ في صفوفِنا ومعتقداتِنا حتّى نجحت بشكلٍ كبيرٍ بجعلِ كثيرٍ من النّاس مُضلَّلينَ مُضَلِّلين!

وَبدأ صراعُ الباطِلِ بالباطلِ بينِ الاشتراكيّة والرأسمالية وبَدأنا نحن بدورنا نسيرُ معَ أحد التّياريّنِ الهالكينِ ناسينَ أنَّ دينًا عَظيمًا لا تنفصلُ سياستهُ عنهُ، ولا تطغي فيه ماديّة على معنويّة ينتظرُ منّا إحياءه في قُلوبنا ومن ثمّ في الميادين!

ثُمَّ بَدأت بعدَ ذلك المؤسساتُ الغربيّة تُمارسُ دورَ المُصلحِ بعدَ إهلاكه على الشعوب الّتي لا تستطيعُ إدارة حياتها، زاعمةً أنّها الأمّ الحانية، واسعةُ الصّدرِ ومدبّرةُ الأمور!

ليعلَمْ كُلّ متغافلٍ أنّها مهما عَلت دعائمُ الظّلمِ وعلا مُسندوها، فإنّ طبيعةَ النّفسِ البشريَةِ الصالحة سَتظلُّ بفطرتِها تُجابهُ كُلَّ زيفٍ وبهتان.

وأتَتْ بقوانينها الفاشلةِ الّتي لم تجلبْ إلّا الدّمارَ والهلاك، فكانت الحروب والمجاعات، وأزهقت الأرواحُ ظُلمًا وبهتانًا، وأُشبعَت الجُثَثُ خِطاباتٍ أصبحَتْ اعتياديةً وكُلّ مُبرّراتها أنّ كُلّ ما يحدثُ حَربّ على الإرهاب!وَويلٌ لمن يتغافلُ عن حقيقة أنّها حربٌ على الدّين وكلّ من يُحاولُ إقامة سُلطتهِ من جديد! ذلك الدّين الّذي لم يظلم بحكمه أحدًا، الّدين الّذي تغيظُ سُلطتهُ الكفرَ وأذنابه ممّن يُريدُ الإفسادَ في بلادِ اللهِ وتدنيسَها.

وَلو أنّنا بدأنا مُقارنةً بينَ الظّلمِ الاجتماعيّ في ذلك الوقت، وبين الظّلم في هذا الوقت، لوجدنا أنّه ظلمٌ واحد، بل على العكس، فإنّ واقعنا الّذي نحياه الآنُ أسوءُ بكثير، فها نحنُ نرى كَثيرًا من المسلمينَ يُخدعُون بمصطلحاتٍ مُجَمّلةٍ تُذهلُ عقولهم، وتسلب أفكارهم، مُصطلحاتٍ تجمّلت في كلّ دولةٍ من الدّول العظمى بنوعٍ من التّجميل، وارتدت قناعًا يُناسب كلّ واحدةً منها، ثُمَّ سَرَت بَينَنا لِتصبحَ مُلهمَتنا وَفَرَجنا الّذي كُنّا ننتظر!

وَليعلَمْ كُلّ متغافلٍ أنّها مهما عَلت دعائمُ الظّلمِ وعلا مُسندوها، فإنّ طبيعةَ النّفسِ البشريَةِ الصالحة سَتظلُّ بفطرتِها تُجابهُ كُلَّ زيفٍ وبهتان، وقهرٍ وعدوان، وإنّ فرسانَ الحقِّ مَهما سادَ الباطلُ وماد، فإنّهم لَهُ بالمرصاد، من مهدهم وحتّى لحدهم.

وإنّ الشّعوبَ بأكملِها ستظلّ ثائرةً على السّلطةِ الهشّة البالية؛ لأنّ أي تَشريعٍ سيوضعُ لا يُوافق التّشريعَ الإسلاميّ-وهو المنظّم للأمّة وحياتها- سيكون تشريعًا جائرًا غيرَ مُنصف، حتّى وإن تجمّل بما استطاعَ لِيبرزَ نفسهُ في السّاحةِ البشريّة على أنّه التّشريعُ الأمثلُ لهذه الحياة.
وإنَّ مَسمعَ(فوقَ السّلطة)سيظلّ يصدحُ ما بقيت قوانين الأرضِ ترفضُ حكم قوانين السّماء.

وختامًا أقول:
سَنَظلُّ نَعصِفُ بالغزاةِ وشرعِهمْ
سَنظّل نفتكْ بالظّلامِ وبالحصارِ وبالمهالكْ
حتّى تُروّضَنا الشّريعةُ للأمانِ
وللسّلامِ فَنَهتدي
فتقول حكمُ الظّلمِ هالكْ!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.