شعار قسم مدونات

حرب الأمهات.. من الشرق إلى الغرب

blogs - mom

أطلّ علينا قبل أيام روجيه ستون، الناصح الأمين لحملة ترامب الرئاسيّة، في لقاء بدا به مستعجلاً، إذ تلحق به الصحفيّة وتسأله باستنكار عن إجازة الأمهات الخائبة من وعود ترامب، فيجيب سريعاً: هنّ اخترْنَ أن ينجبنَ الأطفال!" ثم يكمل سيره غيرَ مبالٍ بالصحفيّة أو بالسؤال. يخرج بعدها دونالد نفسه في لقاءِ على قناة فوكس نيوز، تسأله المذيعة عن خطّته لإجازة الأمومة المدفوعة فيجيب: علينا أن نكون حَذِرين علينا أن نبقي دولتنا على قدر التنافسيّة العالمية نفسه.

وتوضيحاً للقارئ الكريم فإنّ أمريكا التي تعدّ أكبر دولة اقتصادية في العالم هي، للمفارقة، واحدة من ثلاث دول حول العالم لا تقدّم إجازة أمومة مدفوعة للأمهات العاملات ولا تجبر الشركات على ذلك.. إضافة إلى كلٍّ من غوانا وليبيريا الأفريقية، إذ أنّ إجازة الأمومة هنا تخضع لمزاج أنظمة الشركات الخاصة بينما لا تقدّم الدولة للأم العاملة دولاراً واحداً إن غابت عن العمل للولادة أوللاعتناء بالطفل ولو ليوم واحد!
 

وما بين الحداثة الغربيّة التي نزعتْ القداسة عن كلِّ شيء وبين أنظمة شرقية حافظت على قيم الأسرة لكن خلطَتها بقدرٍ هائلٍ من الظلم، تكمُنُ حربُ الأمهات

مشهد يختصر معنى الأنظمة الرأسمالية الغارقة في المادية والتي صُمّمت لاستغلال البشر لا لحمايتهم، فتقدّم هذه الأيام دليلاً دامغاً على المادّية التي حوّلت الجميع، بمن فيهم المرأة، لماكينات إنتاجيّة و حوّلت العلاقات داخل المجتمع لعلاقات سلعية أساسها المال، فنزعت القداسة عن مؤسسة الأسرة بل اخترقتها بالكامل وحوّلَتها إلى مؤسسة اصطناعية، وجعلت الإنجاب والعناية بالأطفال مجرد قيَم فاضلة تقوم مقامها الدولة في رعايتهم عن طريق دور الرعاية والحاضنات، دون أدنى اعتبار لحقِّ الطفل بالطمأنينة في ظل غياب والدته الطويل لتحقيق تراكم الثروة للدولة والانتاج المادي الذي يعتبر هنا الوظيفة الوحيدة المقدسة.

أما الإنجاب فأصبح خياراً نسويّاً بحتاً تتحمّل المرأة مسؤوليته كاملةً كما عبّر عنها روجيه صراحة أو من غير قصد، فالأصل إذن هو المال أما الإنجاب فهو استثناء تتحمّل هي تبِعاته، وعليها وحدها أن تحققّ التوازن بينه وبين الإنتاجيّة الماديّة، فإن عجِزت عن ذلك استُبدلت بغيرها، فسوق العمل سيسير بها أو بدونها، وإن استطاعت الموازنة بينهما تخطّت سقفها الزجاجي وتحوّلت إلى مناضلة تُرفع لها القبعات ومثال يتوجّبُ على سائرِ النّساء الاقتداءَ به.

أمّا الحال في الشرق فهو النقيض تماماً، فالأسرة في الرؤية الإسلامية هي الوحدة الأساسيّة المقدّسة من وحدات المعمار الكوني إلّا أنّ هذه القداسة تحمّلتها المرأةُ وحدها في ظلّ قيودٍ مجتمعيّة وأنظمة اخترقت خصوصيّتها وقلبت المفاهيم حولها، ففهِمت "تضحية الأم" على أنها "التضحية بالأم" وجعلت دورها محصوراً بالوظيفة البيولوجية فتحوّلت إلى ماكينة لإعادة إنتاج العنصر البشري. أمّا العمل فهو استثناء (كالإنجاب هناك) تتحمّل هي تبِعاته، فإن نجحَت في امتحان الموازنة تحوّلت هي الأخرى إلى بطلة يتوجّب على الأمهات الإقتداء بها، لكنها إن اشتكتْ خرجَ عليها من يَرُدّ شكواها برَدِّه الشهير: :هنّ اخترنَ أن يخرجنَ للعمل!" مع نكهة لامبالاة مشابهة في الحال لتلك التي قالها روجيه للصحفيّة.

وفي كِلا الحالتين لن يلاحظَ القارئ (غالباً ) غيابَ الرجل من المشهدين الشرقي والغربي، إذ أنّ كلّ الأنظمة والمجتمعات تمركزت حول ذاته، في إخلاء تام لأي مسؤولية منه تجاه كفاح الأمهات، ذلك لأن كُلاًّ من المنظومتين اعتبرت الإنجاب أو العمل على حد سواء "خياراً" نسوياً خالصاً. وما بين الحداثة الغربيّة التي نزعتْ القداسة عن كلِّ شيء وبين أنظمة شرقية حافظت على قيم الأسرة لكن خلطَتها بقدرٍ هائلٍ من الظلم، تكمُنُ حربُ الأمهات .. وللحديث عنها بقية قد تطول بطولِ هذه الحرب ..

يتبع..

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.