شعار قسم مدونات

فيسبوك يخلق تصوري للعالم على هيئتي!

blogs - face
 
لفترة ما كنت أشعر بالاستغراب حين أطالع موضوعا معينا على الإنترنت ثم أجد أن موضوعات قريبة منه تبدأ بالظهور على شبكات التواصل الاجتماعي وعلى بحث غوغل، فأتوهم أن اهتماماتي أضحت اهتمامات العالم أجمع.

إلى أن قرأت عن آلية عمل هذه الشبكات التي تجمع معلومات عن نشاطك بهدف تسليتك وفق ميولك، لكنها في الأساس تريد أن توفر للمعلنين وسيلة لاستهداف الجماهير الذين يستجيبون لرسالتهم.

فأدركت أنني إذا لم أكن واعية فسوف تَعرِض لي هذه الشبكات صورة مشوّهة عن العالم هي فقط انعكاس لنفسي وترسيخ لتقوقعي.

في نهاية المطاف، أنا المسؤولة عن تكوين نظرتي للعالم، وإذا كانت الشبكات الاجتماعية تؤثر عليّ فينبغي أن أفهم كيف تقوم بذلك

نعم، من المفيد أن يعرض لي بحث غوغل نتائج لها صلة بما قرأت في السابق، لكن هل من مصلحتي ألا أطّلع على مواد مخالفة لتوجهاتي أو اهتماماتي؟

هناك فعلا مواد لا أريد أن أراها لأنها تسبب لي امتعاضا أو حقدا، لكن هذه مسألة نفسية متعلّقة بعلاقتي مع نفسي ومع الآخرين، ولن أستطيع أن أعالجها بحجب المحتوى المثير للضغينة، وستبقى عائقا أمام معرفتي للحقيقة.

إن كان لديك المئات من الأصدقاء على فيسبوك وسجّلت إعجابا بالعشرات من الصفحات، ربما تلاحظ أنك لا ترى كل شيء حين تفتح الموقع، وإنما ترى ما ينشره أصدقاؤك الذين يعتقد فيسبوك أنهم مقرّبون لك بسبب تفاعلك السابق معهم، وترى فقط الصفحات التي تفاعلت معها في السابق، وقد قيّد فيسبوك عدد المتابعين الذين يرون منشورات الصفحات لإرغام تلك الصفحات على الدفع مقابل إيصال منشوراتهم إلى مزيد من المتابعين.

ثم إن الخوارزميات التي تتحكم بآلية عرض المواد هي آلات غير واعية، فهل فعلا تعرف ما أريد أن أراه؟

ومع أن فيسبوك أضحى يشكل نظرتنا للعالم، فليس من الواضح بالضبط كيفية عمل خوارزمية فيسبوك من حيث ترتيبها للمواد التي يعرضها لك في الخط الزمني، وتلك الآلية تتغير من شهر لآخر، وشركة فيسبوك كثيرا ما تتكتم على تفاصيلها.

في نهاية المطاف، أنا المسؤولة عن تكوين نظرتي للعالم، وإذا كانت الشبكات الاجتماعية تؤثر عليّ فينبغي أن أفهم كيف تقوم بذلك. أليس من حقي أن أعرف كيف استطاع فيسبوك أن يقرر ما هي اهتماماتي؟

لقد قام الموقع بالفعل هذا الشهر بتقديم خدمة "تفضيلات الإعلانات" لمساعدة المستخدمين على فهم طريقة اختيار الإعلانات التي يشاهدونها، وذلك بعرض مجموعة من الاتجاهات التي يظن الموقع أنك تميل إليها، ومن ذلك ميولك السياسية. وقد تفاجأ كثير من المستخدمين أن فيسبوك أخطأ بالفعل في تحديد تلك الميول.

لمشاهدة ما يظنه فيسبوك أنك مهتم به، اذهب إلى هذا الرابط من كمبيوترك (حاسوبك):

تحت بند "نمط الحياة والثقافة"، وجدتُ أن فيسبوك حدّد اتجاهي من ناحية السياسة الأميركية بأنه "ليبرالي للغاية" لكن تفاجأت بأنه حدد انتمائي العرقي بـ"أميركي من أصل لاتيني" وربما يعود ذلك إلى أن كثيرا من صديقاتي الأميركيات على فيسبوك من أصل لاتيني وأتفاعل معهنّ على الموقع فيما يتعلق برياضة "الزومبا".

بإمكانك أن تحتج على اهتمام ظن فيسبوك أنه يناسبك باختيار زر Report على أعلى يمين البند، كما بإمكانك أن تحذفه تماما كأحد التفضيلات باختيار زر x على أعلى اليسار.
(ملاحظة: اضغط على زر "عرض المزيد" لمشاهدة جميع التفضيلات).

يقول فيسبوك إنه يجمع تلك المعلومات من خلال الصفحات التي سجّلت إعجابا بها ومن معلومات السجل الشخصي في فيسبوك وإنستغرام والأماكن التي سجّلت دخولا إليها باستخدام فيسبوك، إضافة إلى مواقع الإنترنت التي تصفحتها إذا كانت تلك المواقع لديها خدمة Facebook pixel والتي تساعد الشركات على بناء حملات إعلانية باستخدام منصة فيسبوك.

الشبكات الاجتماعية تفاعلية، تؤثّر علينا ونؤثّر عليها، وعلى خلاف وسائل الإعلام التقليدية تعطينا قدرا من السيطرة على كيفية تأثيرها علينا

وبما أن فيسبوك خدمة تجارية مجانية فإن هناك ضريبة لاستخدامها وهي مشاهدة الإعلانات التي تموّلها. ولا مفر من ذلك، إذ إن فيسبوك يحارب باستمرار البرامج التي تقوم بحجب الإعلانات.

وبما أن الكثيرين يتلقون معلوماتهم وأخبارهم من فيسبوك أكثر من أي مصدر آخر، فإنه بيئة جذابة للمعلنين لا سيما أنهم يستطيعون أن يستهدفوك من خلال معرفتهم لاهتماماتك، لكن من المفيد معرفة أنك تستطيع أن تتحكم بالمعلومات التي يجمعها فيسبوك عنك من أجل خصوصيتك من جهة، ومن أجل عرض ما يناسبك من جهة أخرى.

الشبكات الاجتماعية تفاعلية، تؤثّر علينا ونؤثّر عليها، وعلى خلاف وسائل الإعلام التقليدية تعطينا قدرا من السيطرة على كيفية تأثيرها علينا، لكن أجد نفسي غافلة عن ذلك أحيانا.

كثيرا ما أتلقى منشورات من صفحات أو من مجموعات لم تعد تهمني وأتناسى أن باستطاعتي أن ألغي إعجابي بها. ربما أتلقى منشورات من بعض الأصدقاء وأنسى أن باستطاعتي أن أبقيهم أصدقاء دون أن أرى منشوراتهم، وذلك عن طريق "إلغاء المتابعة". وكثيرا ما أشاهد منشورات تغيظني وأنسى أن باستطاعتي أن أنظر إليها كما أنظر إلى جوانب النقص في داخلي.

الوعي بكيفية عمل الشبكات الاجتماعية والوعي بكيفية تغيير إعداداتها والوعي بنفسياتنا وكيفية تأثرها، كل ذلك يجعلنا استباقيين في استعراض الصورة التي تتكون أمامنا عن عالمنا.

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.