شعار قسم مدونات

لك حرية الاختيار رغم أنفك

blo - potions

كان شوق اللقاء بعد غياب وسفر، يشغلنا عن الالتفات إلى ضجيج تلك "الأغنية" الذي ملأ جو المقهى حيث اجتمعنا، لكن ما إن استقر بنا المجلس وبدأنا نحتسي القهوة والشاي ونتجاذب أطراف الحديث، حتى شعرنا أن صوت المغني كان يزاحمنا الكلام ويضطرنا إلى مباراته في رفع الصوت.. وما لبثنا أن خسرنا المنافسة.
 

لم يكن هذا غريبا في مقهى عام، ولم نكن في الحقيقة حريصين على لون أغنية ما أو صوت مغنٍ بعينه بقدر حرصنا على أن ننال بعض الهدوء، فطلبنا من النادل تغيير الأغنية أو خفضها، وأبدى بعض الأصدقاء انزعاجه من إقحام هذا الضجيج على الفن، مقترحا عليه بعض الأغاني الهادئة أو العريقة. لكن النادل اللطيف اعتذر بأن المقهى لا يحتفظ بمثل هذا، وبرر ما يعرضه بأنه ذوق الناس وما يرغبون فيه.. قال ببساطة "الناس بدها هيك"!
 

كان المقهى وقتئذ شبه فارغ، أي أننا كنا "نحن الناس"، ولا أظن أن السيدتين اللتين تجلسان في الطرف الآخر منه كانتا تهتمان بصوت غير قرقعة "النرجيلة" التي تملأ لحظات السكوت في حديثهما المستعر. لكن لم يكن من المجدي مجادلة النادل أو سؤاله: "كيف عرفت ما يريد الناس؟"، خصوصا أنه كان لطيفا إلى درجة وضع أغانٍ "تقلّد" بعض أعمال صباح فخري.. ويبدو أن هذا كان أقصى ما يمكنه فعله!
 

بات المنتِج أو مقدم الخدمة يتحكم في خياراتنا الحياتية بحجة أن السوق تفرض هذه الخيارات المحدودة

طبيعي أن يفرض "ما يطلبه الجمهور" حضوره في سوق العرض والطلب، ويترك أثره في الخيارات المتاحة، لكن الأمر تجاوز قواعد السوق وحاجاتها، ليتفشى في خياراتنا الحياتية عموما وفي مجالاتها كافة، من "ماذا تلبس" و"أين تدرس" إلى "من يحكمك" و"كيف يحكمك"؟
 

لقد بات المنتِج أو مقدم الخدمة يتحكم في خياراتنا الحياتية بحجة أن السوق تفرض هذه الخيارات المحدودة، بالرغم من أنه يبني رؤيته هذه لـ"رغبة الناس" على انطباعات شخصية أو قراءة متحيزة غير علمية للواقع، خصوصا في بلداننا ذات العلاقة الهشة باستطلاعات الرأي وسبر الاتجاهات والمواقف؛ حتى بات "ما يريده الناس" ذريعة لجبر الناس وإكراههم على ما لا يريدون! وكل ذلك بمبرر "ديمقراطي" يزعم أنه يستجيب لرغباتهم!
 

والأمثلة على ذلك كثيرة، وفيها من التناقض ما يشير إلى أن استجابة الناس لما يقدمه المنتِج ربما تكون أكثر من استجابته هو لما يطلبون، خصوصا في المجالات التي تغيب فيها المنافسة.
 

لعلكم تذكرون أن المسلسل الفنزويلي "كساندرا" الذي عرض عام ١٩٩٦ كان مدبلجا بالعربية الفصيحة، لكن المسلسلات التركية والهندية وغيرها التي باتت تعرض حديثا قد دبلجت بلهجاتنا العامية السورية والخليجية والأردنية وغيرها، كأننا نحاول تحقيق هوياتنا الجزئية في إكساء أعمال غيرنا بها!! ولا شك أن هناك من سيفسر ذلك بأنه طلب الجمهور الذي يفضل -بزعمهم- لهجته العامية على لغته الحضارية.
 

لكن هذه الذريعة لا تقوم عندما تستعرض تاريخ دبلجة أفلام الرسوم المتحركة (الأنميشن) الحديثة، التي بدأت باللهجة العامية -المصرية في الغالب- حتى شاع تصور أن المواقف الطريفة والمصطلحات الحديثة التي تتضمنها هذه الأفلام، لا يمكن تجسيدها إلا بلهجة عامية خفيفة؛ إلى أن حضرت العربية الفصيحة، وأثبتت مرونة وتكيّفا وخفة ظل، وحافظت على رونق الأفلام بل زادتها بهاء، ولاقت إقبالا كبيرا حتى انصرف المنتجون في الغالب عن العاميات المبعثرة إلى الفصيحة الجامعة، بل إن قناة جيم للأطفال مشكورة أعادت إنتاج بعض الأفلام التي صدرت بالعامية -وبعض الفصيحة أيضا- بلغة راقية أنيقة، وشذبتها مما هو غريب عن بيئاتنا؛ ولعل هذا مما زاد تمسك الناس بهم ورجاءهم أن تبقى مفتوحة للعموم.
 

وليت الأمر اقتصر على ما نسمع ونرى، فهذا أهون البلاء، لكنه متفشٍّ في كل شيء تقريبا! فكم نسمع من شكاوى عن سوء توزيع الغرف في البيوت المستأجرة، وعن صعوبة إيجاد مدرسة للأبناء تغطي جميع الجوانب التي يحرص الأهل على غرسها فيهم، وعن انتشار ذوق معين في الملابس حتى يصعب أن تجد في الأسواق غيره؛ واسأل البنات المحجبات عن أشكال الجلابيب الشائعة في بعض البلدان وصعوبة الحصول على غيرها، واسأل العرسان الجدد عن الخيارات التي حكمتهم وهم يعدون لحفل زفافهم، واسأل.. وستسأل كثيرا.
 

إن ذوق المنتجين يتحكم في تفاصيل حياتنا بذريعة أنه "ذوق الناس"، وكأننا لسنا من "الناس"!
 

إذا كانت قيم السوق تتحكم في اتجاهات العرض والطلب، فإن قيمنا الثقافية ومعاييرنا القيمية لا بد أن تكون حاضرة في اختياراتنا

أما في عالم السياسة، فحدّث ولا حرج.
 

حدّث عن انقلاب السيسي على مصر استجابة "لرغبة الناس"، وعن قتله "الناس" في رابعة والنهضة وغيرهما -ممن نعيش ذكراهم هذه الأيام- بـ"تفويض من الناس"، ثم تنازله وقبوله "طلب الناس" أن يحكمهم وينشر شؤمه فيهم؛ ومن قبله حدّث عن بشار الأسد الذي تغيّر الدستور ليوافق عمره استجابة "لإصرار الناس" أن يخلف أباه، وعن مجازره في "الناس" حرصا على "إرادة الناس" في بقائه رئيسا!! وعن غيرهما حّدث حتى تملّ الحديث.
 

مسيرة المستبدين قاطبة تنطلق من ذريعة: "الشعب يريد"، لكنها تتوقف عندها، ولا تدرك أنه "يريد الحياة". وإذا كنا محكومين باستبداد واضح، فعلينا أن نحذر من أن يتغلغل الاستبداد الخفي فينا بصوره المزينة، فنتقبله ونتعايش معه ونروّج له.
 

وإذا كانت قيم السوق تتحكم في اتجاهات العرض والطلب، فإن قيمنا الثقافية ومعاييرنا القيمية لا بد أن تكون حاضرة في اختياراتنا، وتضع في السوق بصمتنا، وأن تعبر عما "نريد" حقيقة، لأننا -مهما أراد الباقون- جزء من "الناس".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.