شعار قسم مدونات

العتاب لا يستميل الحب إذا لم يكن موجودا

blogs - childran
 
في حياتي الكثيرون الذين أحببتهم بكل قلبي، لكن لا أذكر أن دافع ذلك الحب في يوم ما كان الشعور بالذنب أو الواجب، ولا أدري لماذا تسود في مجتمعاتنا ظاهرة العتاب كوسيلة لمحاولة استمالة الحب.

"العتاب على قدر المحبة"؟.. نعم، إذا كانت هناك محبة أصلا لدى من تعاتبه، لكن إذا لم تكن هناك محبة فإن العتاب لا يولد إلا البغض. فالحب من أمر ربي، ولا تستطيع أن تجبر شخصا على أن يحبك، ولا أن تجبر نفسك على أن تحب غيرك.. إن تظاهرت بذلك سوف تخدعه وتخلق أسبابا للنفاق والحقد.

صحيح أنك قد تجرح مشاعر من يحبك إن تجنّبتَ مبادلته تلك المشاعر، لكن العواقب ستكون أسوأ بكثير في حال التظاهر بالحب
ماذا تريد بحب لا يأتي عفو الخاطر وغير قائم على الصدق؟ هل تقبل في قرارة نفسك بمحبة أتت بالإجبار؟
 
العتاب -كما أراه- نوع من العدوانية السلبية التي تتعدى على حرية الآخر في أن يحب عفويا وطوعيا.

وكما يقول العباس بن الأحنف أحد أئمة الحب:
إِنَّ بَعضَ العِتابِ يَدعو إِلى العَتـْ ـبِ وَيُؤذي بِهِ المُحِبُّ الحَبيبا
وإذا ما القُلوبُ لَمْ تُضمِرِ العَطْـ ـفَ فَلَن يَعطِفَ العِتابُ القُلوبا

أما حين تكون موقنا بأن الآخر يحبك، فإن العتاب فعلا شيء جميل يجعل الحب شيّقا ويقوي أواصره، كما يقول العباس:
عَلامَةُ كُلِّ اثنَينِ بَينَهُما هَوىً * عِتابُهُما في كُلِّ حَقٍّ وَباطِلِ
لِسانُهُما حَرْبٌ وَسِلْمٌ هَواهُما * يَجودانِ شَوقاً بِالدُموعِ الهواملِ

فإن لم يكن الحب موجودا فالأحرى بالمحب أن يقول قول العباس:
أنا لم أُرْزَقْ مَودّتَكُمْ * إنما لِلعَبْد ما رُزِقا

من الطريف في الأمر أنني أعيش بين المجتمع الأردني والأميركي منذ الطفولة، ومنذ ذلك الحين وأنا أبحث عن ترجمة إنجليزية لكلمة "العتاب" ولا أجدها، إذ إنها غير موجودة في الثقافة الغربية.

فإذا كان العتاب لا يستميل الود، فما الذي يستميله؟ وإذا كانت الإرادة لا تجعلك محبا لشخص لا تحبه، فما الذي سيحقق ذلك؟

هل يمكن أن تدرّب نفسك على أن تحب شيئا بالتظاهر بذلك؟ برأيي لا، لأن التظاهر بالحب لا يجعلك محبا، كما أن التظاهر بالاقتناع لا يجعلك مقتنعا، والتظاهر بالإبداع لا يجعلك مبدعا، فالعربة لا تجر الحصان، والأسباب لا تخلق المسبّبات.

لو أن التظاهر بالإيمان يجعلك مؤمنا لكان الله حث على النفاق بدلا من ذمه.

صحيح أنك قد تجرح مشاعر من يحبك إن تجنّبتَ مبادلته تلك المشاعر، لكن العواقب ستكون أسوأ بكثير في حال التظاهر بالحب، لأنك لن تستطيع أن تتصنّع الحب على المدى الطويل.. لن تكون لديك الطاقة لاستدامة ذلك، وسوف تظهر الحقيقة في نهاية المطاف بأنك كنت كاذبا أو منافقا.

الكثير من الدمار يحصل في العلاقات الإنسانية على اختلافها حين نقول للآخرين إننا نحبهم في حين أننا فقط نتمنى أن نحبهم، ونعتبر أن من واجبنا أن نحبهم.

لكننا نرى أيضا أناسا صادقين في مشاعرهم وينالون إعجاب الآخرين بسبب ذلك، لأن التعامل معهم مريح، فهم لا يتحرجون من الاعتذار عن تلبية دعوة غداء إذا لم يكونوا فعلا يريدونها، ولا يبالغون في المجاملة إذا لم تكن نابعة من مشاعر صادقة.

والصدق في المشاعر لا يعني بالضرورة التعبير عن مشاعر الكراهية، لكن الكراهية قد تنفجر إذا ضاق صدر المرء من إخفاء حقيقة مشاعره.

الحب لا يأتي بعقد قانوني ولا بأمر إلهي، لأن قلوبنا ليست بأيدينا، بل هي جنود مجندة.. فلا إكراه في الحب
وصحيح أن الدبلوماسية ضرورية أحيانا في حياتنا الاجتماعية، لكن الدبلوماسية القائمة على الكذب والنفاق دبلوماسية فاشلة في النهاية، لأنها ترفع التوقعات ثم تخيب الآمال حين يعجز الشخص الذي تظاهر بالحب عن الإيفاء بتعهداته.

يمكنك أن تطالب بالاحترام، لكن الاحترام والحب أمران مختلفان.. الاحترام متعلق بالسلوك الخارجي ولستَ مَعنيّاً كثيرا إن لم يأتِ من القلب، أما الحب فليس حبا ما لم يأت من القلب.

الحب لا يأتي بعقد قانوني ولا بأمر إلهي، لأن قلوبنا ليست بأيدينا، بل هي جنود مجندة.. فلا إكراه في الحب.

هناك أنظمة اجتماعية وقانونية مثل الزواج هدفها حماية الحقوق المادية للأطراف حين لا يكون الحب موجودا، لكن الحب الحقيقي إن كان موجودا لا يحتاج إلى قانون أو أعراف اجتماعية لحمايته. لذا فإن القول بأن الحب سيأتي بعد الزواج هو نوع من المقامرة الخطيرة وإهانة لقداسة الزواج كما لقداسة الحب.

فكيف يمكن أن تجعل نفسك تحب شيئا أو شخصا تعتقد أنك ملزم بحبه؟ لا أدري في الواقع، ربما تكون المسألة مثل الهداية.. فقط بالإدراك بأنها ليست بيديك.

الحب -على كل حال- ليس سلعة نادرة، فكلنا لدينا ما نحبه، لو سمحنا بهذا الحب أن ينطلق لفاض في الاتجاهات الأخرى بطريقة عفوية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.