شعار قسم مدونات

14 ميدالية وخمسة ملايين لاجئ!

Blogs - مصر
(1)
دوسلدورف.. الحادي والعشرون من فبراير/شباط 2012، لاعب الجودو المصري رمضان درويش يهزم نظيره الإسرائيلي إريك زائيف في منافسات الجائزة الكبرى المؤهلة لأولمبياد لندن ويحرز المركز الثالث والميدالية البرونزية.

موسكو.. الحادي والثلاثون من مايو/أيار 2011، لاعب الجودو الإسر ائيلي إريك زائيف يهزم اللاعب المصري رمضان درويش في الدور ربع النهائي لمنافسات الجائزة الكبرى.

مشهدان شديدا الشبه إلى حد التطابق، الفارق الزمني بينهما تسعة أشهر.. أبطال هذين المشهدين هما لاعبا الجودو المصري رمضان درويش ونظيره الإسرائيلي إريك زائيف، ورغم اختلاف نتيجة الحدثين رياضيا فإن مشهد النهاية جاء من ذاك النوع الذي يستهوي الجماهير ويروقها، اللحظة التي يعلن فيها حكم المباراة فوز أحد اللاعبين والتي يفترض بعدها أن ينحني كلاهما لتحية الآخر، زائيف ينحني لكن درويش يرفض ويستدير مغادرا، يغادر الحلبة ومعه يغادر المشهد كله ذاكرة التاريخ فلا يبقى له إلا أثر هزيل.

(2)

ما الذي تجنيه مصر من مواجاهاتها الرياضية للإسرائيليين؟

ثمانية أيام من العدوان على غزة، بدأت في الرابع عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2012 ، بعد تسعة أشهر من الانتصار المصري لرمضان درويش، وانتهت بسقوط 174 شهيدا وأكثر من ألف جريح فلسطيني مع خسائر مادية تقدر بثلاثمائة مليون دولار. لكن عملية عمود السحاب لم تكن الأكثر عنفا ودموية في تاريخ الاعتداءات الإسرائيلية الغاشمة على الشعب الفلسطيني، حيث سجل الثامن عشر من يناير/كانون الثاني 2009 -وهو تاريخ نهاية عملية "الرصاص المصبوب" والذي أطلقت عليها المقاومة الفلسطينية اسم عملية "الفرقان"- وقوع 14 قتيلا من الجانب الصهيوني في الوقت الذي شهد سقوط قرابة ألفي شهيد من الجانب الفلسطيني.

(3)
مع اقتراب المواجهة غير المرتقبة بين لاعب الجودو المصري إسلام الشهابي واللاعب الإسرائيلي ساسون، وكلما لاحت مواجهة شبيهة عربية إسرائيلية، تمتلئ شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية بالتحليلات، تتناول الحوارات وجهات النظر الداعمة والرافضة لخوض مثل هذه اللقاءات، كلٌ يسوق مبرراته ويعرض أسبابه.

الفريق الرافض للانسحاب يزعم أن خوض مثل هذه اللقاءات لا يتناقض مع رفض التطبيع، يعلل رفضه باللوائح الرياضية التي ترفض الانسحاب وتربطه دوما بعقوبات شديدة تصل إلى حد الشطب. أنصار هذا الرأي يؤكدون أن هذه المواجهات فرصة جيدة للثأر من العدو الصهيوني خاصة إذا ما كانت المواجهة في الجودو أو المصارعة وغيرها من الألعاب العنيفة بدعوى أن اللاعب المصري سوف يلقن منافسه درسا لن ينساه ويكيل له اللكمات والضربات حتى يطيح به أرضا فنكون قد انتصرنا رياضيا ومعنويا!

لكن نظرة سريعة على تاريخ اللقاءات المصرية الإسرائيلية -وهي عديدة- يدحض هذه الحجج، فلا هدف محمد صلاح -لاعب بازل السويسري- في مرمى مكابي حيفا هز الأوساط السياسية في تل أبيب، ولا إلقاء أيمن صلاح -حارس مرمى منتخب كرة اليد- للعلم الإسرائيلي على أرض الملعب ودهسه تحت أقدامه عام 1992 غيّر من حقيقة استشهاد ألف فلسطيني في الانتفاضة الأولى بين عامي 1987 و1993. بل إن تاريخ مصر الأولمبي خلال قرن كامل منذ أول مشاركة في السويد عام 1912 وحتى لندن 2012 يتلخص في الحصول على 28 ميدالية ربعها فقط من الذهب، ونصفها تحقق بدءا من دورة هلسنكي 1952 مع أول مشاركة للكيان الصهيوني واحتمالية مواجهة لاعبين إسرائيلين، فهل يعتبر هذا الرقم كافيا!

(4)

المعضلة الأكثر خطورة هي التطبيع اللاإرادي والاعتياد البطيء على تواجدنا معا – المصريون والإسرائيليون-
انطلقت دورة الألعاب الأولمبية في ملبورن في الثاني والعشرين من نوفمبر 1956، بعد بضع وعشرين يوما من انفجار الوضع في مصر وبداية العدوان الثلاثي الذي راح ضحيته ثلاثة آلاف شهيد، فما كان من مصر إلا أن قاطعت البطولة وانسحبت من المشاركة. في الوقت الذي خلفت فيه حرب 1948 أكثر من 15 ألفا من الشهداء لم يشفعوا لمصر أن تقاطع دورة هلسنكي 1952 التي كانت أول دورة تشارك فيها البعثة الصهيونية.

(5)

يبرز هنا سؤال على قدر كبير من الأهمية، ما الذي تجنيه مصر من مواجاهاتها الرياضية للإسرائيليين؟ ما هي المكاسب التي تعود عليها/علينا/على القضية الفلسطينية؟ هل حقا منفعة الحصول على ميدالية ذهبية -إن تحققت الميدالية- يفوق الضرر العائد على القضية جراء التطبيع مع العدو؟ هل فعلا بإمكاننا الفصل بين اعتياد التعاملات المصرية الإسرائيلية على المستوى الرياضي واستمرار الرفض لمثل هذه التعاملات على المستوى الشعبي؟ أو ليس رياضيو مصر هم جزء من هذا الشعب الرافض للتطبيع؟

أتذكر الآن نقاشا مماثلا قد أثير حين بزغ نجم أفيخاي أدرعي المتحدث الرسمي باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، ظهرت وجهات نظر حالمة تطالب بمتابعة أفيخاي حتى نتعرف على عدونا وتفكيره، بينما أعلن الآخرون أن متابعتهم لهذا الشخص لا تخرج عن كونها بغرض التسلية وربما توجيه السباب للرجل حتى يعرف هذا القزم حجمه جيدا، لكن النتائج كانت واحدة في الحالتين؛ زيادة عدد المتابعين، انتشار منشورات أفيخاي ولو على سبيل السخرية بالإضافة للمعضلة الأكثر خطورة وهي التطبيع اللاإرادي والاعتياد البطيء على تواجدنا معا -المصريون والإسرائيليون- في نفس السياق، تشاركنا لنفس الحوار/الصورة/الموقف/الجملة.

الحقيقة أن إحراز ميدالية أو انتصار رياضي على إسرائيل لا يمثل أي إنجاز لنا أو إخفاق لهم، سيحزن من يحزن قليلا ويفرح من يفرح قليلا ثم يتوارى كل هذا خلف إنجازات أكبر. لكن مجرد أن يرفرف العلم المصري جنبا إلى جنب مع نظيره الإسرائيلي هو انتصار طاغٍ لهذا الكيان الباحث عن شرعية شعبية عربية.

ستصبح المقارنة بين عدد الميداليات التي حصلنا عليها وبين ملايين اللاجئين الفلسطنيين الذين شردوا جراء الاحتلال الإسرائيلي ظالمة

فليخض الشهابي مباراته ضد ساسون، وليسمه سوء العذاب ويكيل له اللكمات، ولينتصر، وليرفض تحيته وينصرف لينال استحسان الجماهير، ربما ينال بعدها ميدالية ذهبية وربما -وهو الاحتمال الأقرب- لا ينال أي ميدالية، ستهلل الجماهير له ولما فعله بهذا الإسرائيلي الوغد ثم ينسونه وينسون كل شيء، لكنهم سيبقون في انتظار مواجهة أخرى مع صهيوني جديد ليفتك به رفاق الشهابي -ربما- في طوكيو 2020.

سينتصر الرياضيون المصريون كثيرا على منافسيهم الإسرائيليين فتفرح الجماهير وتردد أنهم ضد التطبيع، سينهزم الرياضيون المصريون كثيرا أمام الإسرائيليين فتحزن الجماهير وتسب الصهاينة وتعلن فخرها بالأبطال الذين لم تثنيهم نظرات بعض معارضي التطبيع عن المشاركة ونيل شرف المحاولة، وبعد أعوام عديدة -ربما قليلة- سينسى الناس غضبهم السياسي والأخلاقي والديني ويبقى غضبهم الرياضي.

ستصبح المعضلة هي خسارة الفريق المصري لا خسارته أمام عدوه الذي أسال يوما دماء شعبه واحتل أرضه، سيعتاد الناس رؤية لاعبي منتخب إسرائيل لكرة القدم في استاد القاهرة. صحيح أنهم سيكيلون لهم السباب في المدرجات، لكنهم سيفعلون ذلك اليوم لكونهم إسرائيليين وغدا لكونهم مجرد منافس، ثم سيأتي يوما يتمنى فيه البعض فوز إسرائيل على فريق ما -ربما عربي- ليتصدر منتخبنا مجموعته أو يقابل فريقا أضعف.. حينها فقط ستصبح المقارنة بين عدد الميداليات التي حصلنا عليها وبين ملايين اللاجئين الفلسطنيين الذين شردوا جراء الاحتلال الإسرائيلي، فضلا عن الشهداء والأسرى، مقارنة ظالمة.. مقارنة لن يغفرها لنا التاريخ ولن تشفع لها نوايا الجماهير الحسنة في تلقين الصهاينة درسا في أرض الملعب لم نستطع أن نلقنهم إياه في ساحات المعارك أو قاعات الأمم المتحدة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.