شعار قسم مدونات

اكتبوا قصة ميلادكم

blog-ghassan
مأخوذا بحلم الاكتشاف ظل عبدالرحمن يحاول حزم حقائب السفر.. إلى الغرب تارة وإلى الشمال تارة أخرى، فيما كان القدر يحرف بوصلته إلى الشرق.. وهو الذي -كما الأنبياء رعى الغنم، وكما الأشقياء فرّ من فصول المدرسة- ظل يبحث عن نفسه.. عن دينه.. وعن وطنه لاحقا، فيما كانت الغربة تبحث عنه لتصنع منه إنسانا آخر.. ذاك هو أبي.

وهي عديلة طاولت بشموخها السحاب، كثيرا ما تردد -بنحتها الخاص- أبيات عنترة بن شداد:
لا تسقني ماءَ الحياة بذلة … بل فاسقني بالعزَّ كاس الحنظل…
ماءُ الحياة بذلة ٍ كجهنم… وجهنم بالعزَ أطيبُ منزل…

كرهت الغربة، ويوم أن بعث لها عبد الرحمن بخطاب التجهيز للاغتراب، لم تملك من أمرها سوى أن تحرقه في أقرب طابون خبز.. تلك هي أمي.

مرّت النّكبة ثقيلة في شهورها الأولى، لكن ذلك لم يكن يمنع عبد الرحمن من إتمام مراسم الزواج بابنة عمه عديلة.

حاولت أم عدنان إقناع أبي بالتنظيم.. طبعا تنظيم النسل، لكنه لم يأبه كثيرا لمثل هذه الرفاهية

كان عبد الرحيم وعبد الفتاح شقيقين، غير أن كلا منهما اختار مسارا مغايرا لحياته.. فعبد الرحيم ظل حتى وفاته مختار القرية، فيما اختار عبد الفتاح أن يكون طالب علم أزهريا، وهكذا جمع هذا الزواج الدنيا والدين، أولئكم هما سيدي الحج عبد الرحيم (جدي لوالدي) وسيدي الشيخ عبد الفتاح (جدي لوالدتي) أبناء الخطيب عبد الله أبو حسين وتلك هي عائلتي.

جنوبا حيث تغرب الشمس على جبل النار نابلس، لا تنطفئ جذوة قرية زيتا جماعين، ولا تزال آثار دار موفق الدين ابن قدامة أحد أشهر أئمة المذهب الحنبلي، شاهدة على مرحلة من عمره حيث ولد بجماعين قبل أن يهاجر إلى دمشق إبان احتلال الصليبيين لفلسطين، ويعود إليها رفقة جيوش صلاح الدين الأيوبي.

قال عنه ابن تيمية "ما دخل الشام -بعد الأوزاعي- أفقه من الشيخ موفق".. وتلك هي قريتي زيتا جماعين.

رفقة عدد من أبناء عمومته، خرج "رجال في الشمس" قاصدين الكويت هذه المرة.. ركب عبد الرحمن مع "أبو الخيزران" بطل الرواية، لتحط به الرحال هناك أوائل الخمسينيات، حيث ظل الصيف هو المهرب الوحيد كي يسافر العازب إلى قريته ويلتقي عائلته التي كانت تكبر يوما بعد يوم، حتى حلّ صيف 1966.

ركبت العائلة كلها في ذلك العام باص التميمي من كراج نابلس قاصدة الكويت عبر العراق. بعد يومين، وتحديدا في العشرين من أغسطس/آب اللاهب كانت تأوي إلى ظل إحدى الغرف بمنطقة خيطان، تدفع بالمروحة المعلقة بأعلى السقف نفحات من قيظ آب سنوات قبل أن يدخل "عنترة" هذه المرة حياتنا "مكيّفا" لا شاعرا.

كما كل الآباء المكافحين، عمل "أبو عدنان" في ثلاث وظائف كي يعيل عائلته، وكما كل الأمهات الصابرات، أخذت عديلة -وسيصبح اسمها لاحقا "أم عدنان"- على عاتقها رعاية عائلة نموذجية من 12 فردا.. أربعة أولاد، أحدهم ولد متوفيا، وست بنات.

حاولت أم عدنان إقناع أبي بالتنظيم.. طبعا تنظيم النسل، لكنه لم يأبه كثيرا لمثل هذه الرفاهية، عانت هي الأخرى، فإلى جانب ماكنة سنجر للخياطة هناك فرن خبز يشوي كل العجين الذي أنهك ذراعيها..

هل حاولت أمي أن تقنع أبي بألّا آتي إلى الدنيا؟ لا أعلم! لكن الذي أعلمه أني بذلت جهدا عظيما للتعلق برحمها، ولم تكن ولادتي سهلة المنال لا عليّ ولا عليها.

عصر الثلاثاء، الثامن من أغسطس، شقّت صرخاتي جنبات مستشفى الولادة بالصباح، جاء آخر العنقود، الآن اكتمل عقد العائلة.

لا أدري ما إذا كان أبي أرادني سياسيا دبلوماسيا، وأردتُني صحفيا ثائرا

لم يتعب كثيرا أبي في اختيار اسمي "غسان"، لقد جمع في أسماء أولاده وبناته أسماء ملوك المناذرة والغساسنة وأمراء الأمويين والعباسيين، وأيام النضال وأيام الفنّ.

ظلّ أبي يعلمني كلما سألني أحدهم -وأنا لم أدخل المدرسة بعد- ما اسمك حبيبي؟ فأجيب -بينما يبتسم كثيرا لطلاقتي- "غسان الغصيني سفير فوق العادة في الأمم المتحدة".

حتى اليوم لست أعلم من هو غسان الغصيني، ولمن كان سفيرا فوق العادة، وظللت أخمّن: لعل أبي أسماني على غسان كنفاني، حيث ولدت بعد استشهاده بثلاثين يوما.

لا أدري ما إذا كان أبي أرادني سياسيا دبلوماسيا، وأردتُني صحفيا ثائرا.. ولست أدري سبب ذلك الحنين إلى الثامن من الشهر الثامن ورقم ثمانية، لكن الذي أعلمه بالتأكيد أنه يكتب علينا ونحن في أرحام أمهاتنا رزقنا ومنيّتنا، ونحن نكتب من نكون..

وأعلم أن الأيام تجمع بين المواليد لكنهم هم الذين يكتبون فيما بعد "ولد في مثل هذا اليوم".

هذا أنا غسان أبو حسين وهذه دعوتي لكم كي تكتبوا قصة ميلادكم.
 
 undefined

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.