شعار قسم مدونات

لا أريده أن يُوَقِّعَ نُسختي!

blogs- توقيع الكتب

ماذا يعني أنّ أحظى بنسخةٍ موقّعةٍ من كاتبِ رواية أو أيّ كتابٍ من أيّ كتاب كان؟ ماذا يعني أن أشهد حفل توقيعه وأنا لم أقرأ كتابه بعد؟ ماذا يعني أن ألتقيه ونتبادل عبارات المدح والامتنان دون أن أعرف ما يحوي كتابه من أفكار؟ وهل من الضروري أن يلقى الكتابُ إعجابي إن كان موسوماً بتوقيعه المؤلّف وبعضاً من عباراته المنمقة؟
 

سؤالٌ يهجسُ في خاطري في كلّ مرة يُعلِنُ فيها أحدهم عن حفلة توقيع لفلذة كبدِه، فيتوافدُ القراء -أعني المبتدئين منهم- بعيون تلمع من شدة الإعجاب بالكاتب وكتبه وحتى إن لم يسبق لهم أن قرأوا له من قبل، فأضواء الشهرة لا تفرّق. أظنّ أنّ ذلك بات من أدوات "إتيكيت" القراءة وطقوسها، كفنجان القهوة، والحبيب الغائب..
 

توقيع الكتب قد يصنفه البعض بالترف الثقافي، الذي لا يضيف للكتاب شيئاً ذا بالٍ.. وبعض حفلات التوقيع أمست تشبه حفلات الاستجداء والتكسّب التجاري بوجهٍ مستعار.

بالنسبة لي، عندما أريد أن ألتقي بكاتبِ سأحرصُ على قراءة كتابه المولود حديثاً بتأنٍ، لن أغفل عن سطرٍ لم أفهمه، ولن أقلب صفحةٍ استفاض الكاتب فيها في وصف شيءٍ لا يغني ولا يُسمنُ من جوع.. سأهتمُ بأدقّ التفاصيل، وأضع سطراً تحت عباراتٍ ألهمتني، وجملٍ أثارت إعجابي.. سأجعل الكتاب لُعبتي، أفهم قواعده، وأدرك مراميه! لا قراءة سطحية ألطخ بعدها بعض الحروف بحبر الـ highlighter.
 

أريد أن أسأله عن الزاوية التي اقتنصها لكتابة هذه الجملة المؤثرة وتلك الفقرة الملهمة، وبماذا كان يشعر حين خرجت! ماذا اعتراه في لحظة التجلي، وهل انتابته نوبة جنون سَكَن بعدها لأسابيع كما يحدُث غالباً؟ سأسأله كيف استلهم الفكرة والحبكة، وكيف نسج المقدمة والنهاية؟ أما الإهداء فقصة أخرى! فالإبداع أحياناً يتجلى فالإهداء مثلاً! سأسأله عن الشخصيات كيف اختلقها، وهل صحيحٌ أنها محضُ صدفةٍ إن شابهت أشخاصاً نعرفهم؟ سأطرحُ تعجباتٍ عن يقينِ قراءةٍ لا عن فراغٍ لا أعرف ما سيتم ملؤه بعد القراءة.. وسأنتهي بسؤالِ اطمئناني "هل كان المخاضُ مؤلماً؟"..
 

وفي المقابل، لا أريد أن أكون قاسية، ولكنّي أرى أنّ إقامة ندوة بحضور هذا الكاتب، يُعقدُ خلالها جلسة مناقشة ونقدٍ لما يحويه الكتاب أنفع وأمتع.. فالنفع سيطال حينها الكاتب والقارئ وإن كانت "رواية".. فالأفكار التي غيّرت بعض المفاهيم الاجتماعية تجلّت في روايات يظنّها البعض أنها لا تفيد.. والكلام يشمل الكتب كافة؛ بمختلف ألوانها وأطيافها.
 

في زمنٍ باتت القراءة فيه "أمراً مهدداً بالانقراض" دعونا نعطي الكتاب الأمان بالنقاش وتبادل الأفكار والنقد البناء وبناء جسر المعرفة والتقارب بين الكاتب والقارئ، وفهم ما كان يجول في خاطره حين كتب عن كثب، ولا نحول هذه الظاهرة إلى نفاقٍ ثقافي، ووسيلة تجارية..
 

وللحقيقة، توقيع الكتب قد يصنفه البعض بالترف الثقافي، الذي لا يضيف للكتاب شيئاً ذا بالٍ.. وبعض حفلات التوقيع أمست تشبه حفلات الاستجداء والتكسّب التجاري بوجهٍ مستعار.. وللأمانة أقول، أغلبُ الكتب العظيمة لم تُوقع من قِبل مؤلفيها، لربما لم تكن إتيكيت العصر، أو أن الكاتب لم يرضَ عنها في حياته ولم يعرف أنّها عظيمة فعلاً..!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.