شعار قسم مدونات

"مطبخ" الحكومة المغربية "موقوفة التشكيل"

blogs - المغرب

في بلاد المغرب الأقصى، يبدو جليًا أن موضوع تشكيل الحكومة الجديدة قد نزل إلى الدرك الأسفل من لائحة اهتمامات الشعب المغربي الطويلة هذه الأيام، ذلك أن طبخة "الشيف الحكومي" المكلَف عبد الإله بن كيران الحكومية، تكاد تقترب من شهرها الثالث دون أن نعرف أي مرحلة من الإعداد وصلت، وهل أواني "الطبخ" بارحت مكانها أصلا منذ أن عيَنه ملك البلاد وكلَفه بهذه المهمة الدستورية حسب مقتضيات دستور 2011 أو ما يعرف بدستور ما بعد الربيع العربي.

 

حزب العدالة والتنمية المعني الأول بموضوع إخراج "الطبخة" في أبهى حلة ممكنة، أصبح اليوم أسيرا للمهلة الزمنية التي حددها الدستور، وأسيرا للشروط "التعجيزية" و"المحرجة سياسيا" من حلفائه المفترضين.

فرغم الجلبة التي ملأت أروقة "المطبخ الحكومي" على مدار الشهرين الفارطين، من خلال مشاورات ماراثونية مع مختلف الأحزاب المعنية ، وحالة الكر والفر التي صاحبت ولازالت تصاحب مختلف الاجتماعات الثنائية والثلاثية والمتعددة الأضلاع التي كانت تجرى بين مختلف الفعاليات، فإن الشعب المغربي الذي هبَ يوم السابع من أكتوبر الماضي، ولو على استحياء، الى مكاتب الاقتراع، والذي اختار "سلطة" العدالة والتنمية كأكثر الاطباق قابلية للأكل من بين قائمة "المطعم السياسي" المغربي الهزيلة والرديئة ، بدا وكأنه قد استسلم لما يعرف بحالة "البلوكاج السياسي" المستفحلة، ورضي "بالبقاء جوعا" في ظل مؤسسات تصريف أعمال، مترقبا في أي حلقة سينتهي هذا المسلسل الطويل الذي فقد كل فصول الإثارة.

 

حزب العدالة والتنمية المعني الأول بموضوع إخراج "الطبخة" في أبهى حلة ممكنة، أصبح اليوم أسيرا للمهلة الزمنية التي حددها الدستور، وأسيرا للشروط "التعجيزية" و"المحرجة سياسيا" من حلفائه المفترضين، وأسيرا لرغبة واضحة وصريحة من أمينه العام، في عدم الرضى بأي إملاء او فرض للأمر الواقع فيما يخص حصة الحزب من الكعكة الحكومية، بما يعكس موقع الحزب حسب نتائج الانتخابات الأخيرة، تفاديا للوقوع في تنازلات مبالغ فيها كما حدث في الاستحقاقات المحلية قبل أكثر من عام، والتشريعية قبل خمس سنوات.

 

مع سير الأمور إلى مزيد من التعقيدات، تتناسل في كل مرة تُهم جاهزة، تارة على لسان قيادات حزب المصباح بخدمة حليفهم السابق لأجندة "التحكُم" ومحاولة إفشال إرادة صناديق الاقتراع، وتارة من جانب "التجمعيين" برغبة الحزب الفائز بالانتخابات في فرض سطوته على المشهد.

كابوس بنكيران الذي يقضُ مضجعه أسابيعا طويلة تكرسه بالأساس كتلة ممانعة يقودها حزب التجمع الوطني للأحرار، القبلة الأشهر للتكنوقراطيين المتحزبين في المغرب، والذي غيَر قيادته بُعيْد الاستحقاقات بقليل، من خلال تنصيب وزير الفلاحة "عزيز أخنوش" كأمين عام للحزب خلفا لصلاح الدين مزوار وزير الخارجية والتعاون الذي استقال دون سابق إنذار، في سيناريو لا يختلف اثنان على أنه لعبة كراسي موسيقية مدروسة التوقيت. فالرجل الجديد القديم في حزب "الحمامة" والذي صار اسمه منذ أمد ليس ببعيد، أيقونة في تدبير قطاع غاية في الاستراتيجية كقطاع الفلاحة، لم يكتفي بفرض شروط ذاتية متعلقة برؤى وخيارات الحزب الذي تسلَم رئاسته للتو، أو الانخراط في تحرك جماعي مؤطر بتحالف معلن مع حزب الاتحاد الدستوري، بل سارت الأمور أبعد من ذلك باتهام قيادة العدالة والتنمية له بممارسة الابتزاز السياسي ومحاولة التحكم في اختيارات الحزب الإسلامي نفسه لحلفائه ومحاولات إبعادهم عنه، في إشارة الى حليف الأمس حزب الاستقلال العائد الى دائرة الأضواء بوضعه يده في يد الإسلاميين من جديد، والذي بات واضحا أن وجوده مع حزب الأحرار في أغلبية واحدة، أصبح ضربا من ضروب المستحيل.

 

ومع سير الأمور الى مزيد من التعقيدات، تتناسل في كل مرة تُهم جاهزة، تارة على لسان قيادات حزب المصباح بخدمة حليفهم السابق "المتمرد" لأجندة "التحكُم" ومحاولة إفشال إرادة صناديق الاقتراع، وتارة أخرى من جانب "التجمعيين" برغبة الحزب الفائز بالانتخابات في فرض سطوته على المشهد السياسي بشكل كامل. كل هذا يحدث طبعا امام أنظار حزب الأصالة والمعاصرة، أكبر أحزاب المعارضة الذي اختار منذ البداية الوقوف متفرجا لعل الأمور تأخذ المنحى الذي يمكن أن يخدم مصالحه.

 

آخر فصول الحكاية، كان بتلقي بنكيران قبل أيام قليلة، رسالة واضحة من العاهل المغربي عبر مستشاريه، مفادها أن رئيس الحكومة المكلف، مطالب بالتعجيل بتشكيل الحكومة بما يتطلب ذلك من تجاوز لكل العراقيل التي كانت ولازالت مطروحة، والتي أفضت إلى حالة الفراغ السياسي الحالي. رسالة وإن كانت تذكيرية في شكلها إلا أنها تحمل في طياتها إشارات عديدة تحيل على الدور الذي يمكن للمؤسسة الملكية أن تلعبه في حال استمرت الوضعية الراهنة، سواء بالتدخل بشكل غير مباشر عبر فتح قنوات اتصال جديدة بين مختلف الفاعلين، والمساهمة في تليين للمواقف يفضي إلى تقديم تنازلات حقيقية من هذا الطرف او ذاك، أو بالمضي قدما نحو تجريب ما تبقى من الحلول الدستورية "الممكنة"، لعلها تؤدي الى نتائج ملموسة، تكريسا للنموذج الديموقراطي الذي ترغب الدولة المغربية في عدم إفشاله بأي تدخل غير مدروس قد يُحسب على أنه تجاوز للدور المفترض للمؤسسة الأولى في الدولة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.