شعار قسم مدونات

حلب.. رقعة شطرنج بلا مربعات

A general view shows damage in the Old City of Aleppo, Syria December 13, 2016. REUTERS/Omar Sanadiki SEARCH "ALEPPO HERITAGE" FOR THIS STORY. SEARCH "WIDER IMAGE" FOR ALL STORIES.

قد لا يكون أهل الشهباء أول وآخر من يعيش مأساة من هذا النوع الذي يملأ الأنظار ويصم الآذان ويدمي القلوب طيلة مدة تجاوزت نصف عقد، لكن معاناتهم حتما قد تبدو أكثر استثنائية، كلما غصنا بشكل أعمق في تحليل الأحداث المتلاحقة، والتجاذبات التي صاحبت مرحلة عودة شرق المدينة وعصبها إلى سطوة نظام خرج من ذاكرة الحلبيين ومعيشهم اليومي منذ أمد ليس بالقريب، بل حتى إن أبنية المدينة رغم ما لحقها من خراب، ظلت شامخة مزهوَة بعلم الثورة السورية المجيدة.
 

لقد نجح الأسد "الممانع" في تشتيت وتذويب كرة الثلج المتراكمة التي كانت تسير بسرعة لسحقه أسوة بمن سبقوه من طغاة العالم العربي، بأن أخرج الحراك من سياقه الداخلي المحض ثنائي الأبعاد بين النظام والثوار، إلى شيء آخر تماما هلامي متعدد الأبعاد لا لون له ولا رائحة فيما يشبه الفوضى، وكأنه أحدث في سوريا ثقوبا سوداء تجذب إليها كل من له حسابات يصفيها مع غريم له.
 

تطفو على السطح مأساة الإنسان والحيوان والعمران والنبات، مأساة التاريخ والجغرافيا، بمدينة تم دكُها بجميع أنواع الأسلحة، وهجر عنها أهلها قسرا ربما دون عودة، ومن يدري؟

فروسيا بوتين وبعد أكثر من عقدين من دفن الجد السوفياتي، رمت بكل ثقلها العسكري لإعادة الدفء للحرب الباردة بينها وبين الغرب، وكان يسبقه دائما ثقل سياسي أكبر داخل أروقة مجلس الأمن. وفي كل مرة تتغاضى فيه الإدارة الأمريكية عن الحديث عن تدخل عسكري محتمل لها، كان عساكر بوتين يكثفون القصف بأعتد الأسلحة على مدن سوريا وكأنهم يوجهونها إلى مانهاتن..
 

متلذذين بصمت أمريكي ودولي يقرأه البعض على أنه ضعف وقلة حيلة، والبعض الآخر على أنه صمت مشترى بصفقات سلاح ضخمة من هنا وهناك، لكن الأكيد أن دماء السوريين ليست ، بالنسبة لأغلب الأطراف، رهانا كبيرا بذلك القدر الذي قد يستحق أن تقوم من أجله حرب عالمية جديدة، على الأقل من جهة حلفاء المعارضة، على عكس حلفاء النظام الذي أحسن اختيارهم ولم يخيبوا أبدا ظنه فيهم.
 

أما إيران ذات الطموحات الإقليمية التوسعية الواضحة، فوجدت أخيرا نقطة ساخنة تضعها وجها لوجه مع أعداء "ملَتها"، وقد سخرت ميليشياتها المشحونة عقائديا لتصفية الحلبيين السُنة دون أن يرف لها جفن. ولنا أن نتخيل كيف لعيْنيْ المرشد الأعلى أن تتراقص تارة للنظر إلى دماء السوريين الأبرياء، وتارة لقياس ردود فعل خصومها الأساسيين بالمنطقة.
 

وفيما تبدو المعارضة السورية مشتتة الصفوف وغير مدعومة بالشكل الكافي من حلفائها، فإن الحليف الاستراتيجي لها "تركيا" قد لا يشكل لها موضوع الأسد في حلب أولوية قصوى، طالما أن الخطر الكردي غير محسوس في هذه الرقعة من الصراع.
 

وأمام هذا المشهد السريالي ذو الملامح المتداخلة والمرسوم بدماء تفوح منها رائحة الموت، تطفو على السطح مأساة الإنسان والحيوان والعمران والنبات، مأساة التاريخ والجغرافيا، بمدينة تم دكُها بجميع أنواع الأسلحة، وهجر عنها أهلها قسرا ربما دون عودة، ومن يدري؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.