شعار قسم مدونات

الأمثالُ الشّعبية ودورها في تشعيبِ النّاس وخضوعهم

blogs- الأمثال

عَلى الرّغمِ من دورِ الأمثالِ الشّعبيّة التّراثيّة في تأصيلِ العديدِ منَ المعتقداتِ المجيدة الفضيلة، وعلى الرّغمِ من أنّ كثيرًا منها لا يزالُ حَيًّا بيننا ذا تأثيرٍ كبير، إلّا أنَّ بعضَ الأمثالِ كانَ سَبَبًا في بِناءِ نَشءٍ أعمدتهُ هَشّة، ومنطلقاتهُ الحياتيّةُ ضَعيفة، حتّى غدا خاملًا لا عاملًا، مُستهلكًا لا مُنتِجًا، مُستَتِرًا لا مُجابهًا.
 

وإنّني بالتّأكيدِ لا أضعُ المسؤوليّة كاملةً عَلى عاتقِ هذه الأمثالِ، إنّما أُبيّنُ دَورَها في ظلِّ مُجتَمعٍ تحكمهُ عاداتهُ وتقاليده، أو لِنَقل أنّها تؤثّرُ فيهِ تأثيرَ الحاكمِ على رعيّته؛ فقد عاشوا بينَ أكنافِها، وتَشرّبوا معانيها، وَطبّقوا مكنوناتِها حَتّى ألَمَّت سَوءاتُها بِهم، ثُمَّ لَم يَكتفوا بِهذا، بَل صاروا يُعلّمونَ أولادَهَم هذهِ الأمثالَ كأنّها مُقَدّسةٌ لا عيبَ فيها، وما دَرَوا أنّها جُذورُ التّخلّفِ والخنوعِ، وأدواتٌ للصّمتِ والرّكوع، وأؤكّد مَرّةً ثانيةً أنّني أخصَّ أمثالًا دونَ أمثال، وأقصدُ أهمَّها، وهو ما يُعينُ على مواجهةِ الواقع والتّعامل معه، ويرشدُ المجتمعَ إلى سُبُلِ الحياة.
 

اعلم أنّ في الاستهانةِ مهانة، وفي الاستخفافِ خِفّة، وفي اللامبالاة عالة، فهل ترضى هذا وأنتَ أهلٌ للتّغييرِ وقد استخلفك الله الأرض؟!

وسأكتفي على سبيلِ المثالِ لا الحصر بثلاثةِ أمثالٍ جَعلنَ مُتَّبِعيها مُنقادين معَ القطيعِ بلا أدنى وعي: "حط راسك بين الروس وقول يا قطاع الروس"، "امشي جنب الحيط، وقول يا رب السترة" "ان جنوا ربعك عقلك بنفعكيش".. ما الّذي خَلّفتهُ هذهِ الأمثالُ سِوى المهانةِ والخضوع؟! ما الّذي أشارت إليهِ هذه الأمثالُ سِوى كبتِ الشّخصيّاتِ والاتّباعِ الأعمى؟!
 

إنَّ الثّورةَ عَلى الواقعِ المهزومِ لا تَكونُ باتّباعِ عِباراتٍ سَبَّبت هذا الواقع، إنّما بِخَلقِ واقعٍ جديدٍ بمعتقداتٍ متينة؛ فلا يولّدُ الانهزام إلّا انهزامًا، ولا يُوّلدُ الصَّمتُ إلّا تَخَلُّفًا، فبأيٍّ ذَنبٍ تُربّى الأجيالُ على مثلِ هذهِ القواعد؟! ألا نستطيع أن نقطّعَ رؤوسًا من غيرِ رؤوسٍ لا تَعي مُرادَها؟! ألا نستطيعُ أن نطلبَ سترَ اللهِ -جلّ جلاله- دونَ السّير محاذاةَ الحائطِ خَوفًا وَجُبنًا؟! ألا نَستطيعُ أن نكونَ بدايةَ الفكرِ والتّفكيرِ في قَومِنا فَنقف أمامَ جُنونهم وعصبيّتهم وتحجّر أفكارِهم الّتي لم تأخُذ بِنا إلّا إلى الهاوية؟!ألفُ بَلى؛ فإنّ لكلّ داءٍ دَواء، وَدواءُ هذهِ الأمّةِ إحياءُ عُقولِها، وما كانَ للعقلِ أن يَحيا إذا ظَلَّ يُساقُ بِلا إعمالٍ وَتفكير.
 

وَكما قالَ الشّاعر: مَنْ يَهُن يَسهل الهوانُ عليهِ.. ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ. فإذا ارتضينا لأنفسنا تَخديرها وَهوانها، فأيّ شيءٍ قد يخرجنا من ظُلُماتٍ ستنزل بنا؟!وهل أحَدٌ سينقذنا بعدما نَبّهنا ولم نُعِر كلامهُ انتباهًا؟! إنَّ المَرحلةَ الّتي مررنا بِها -وما زلنا نمر- هي مرحلةٌ طبيعيّة لِواقِعٍ أنانيّ أعمى؛ فإنّ صاحبَ التّغييرِ يبدأُ بنفسهِ بكلّ قوّة، فإذا تمكّن وثبتَ بدأ بغيرهِ لِنَشرِ فكرهِ وفكرته، فأيننا من كُلِّ هذا؟!
 

إنّ المُصيبةَ تكمنُ في التّساهلِ واللامبالاة والاستهتار، فتراكَ إذا ذكرتَ مثل هذه الأمورِ كأنّك تَحكي أمورًا لا جدوى منها، وهل شَيءٌ استطاعَ أن يهزمنا سوى الثّغورِ الّتي دُسّت بيننا فبدأت بالتّوسعِ شَيئًا فَشيئًا حتّى سادتنا وصدرنا لها أتباعًا؟!
 

والآن، فإنَّ الكُرةَ في ملعبِ هذا الجيلِ، الجيلِ الّذي قَد رأى واستنتج، وتألّم ولم يتعلّم بعد، الجيلِ الّذي آنَ الأوانُ لِيقلبَ كلّ الموازين، وليغيّرَ ما يحتاجُ التّغيير، وَليضعَ كلّ ذي منزلةٍ بمنزلته، أو فَليرتضِ التّنحيَّ والحياديّة، ولْيبقَ كَمن سبقوهُ حتّى يَشيخَ نَدمًا، يومَ لا يَنفعُ نَدَمٌ ولا تَحسّر.
 

أيّها الإنسان، اعلم أنّ في الاستهانةِ مهانة، وفي الاستخفافِ خِفّة، وفي اللامبالاة عالة، فهل ترضى هذا وأنتَ أهلٌ للتّغييرِ وقد استخلفك الله الأرض؟! وأقولُ خِتامًا:

اختر طريقك يا فتى *** واسلكْ مُرادًا لا يُعابْ
إنّ جَنَّ رَبعُكَ كُلُّهُمْ *** فاعقلْ فَحَقُّكَ لا يَهابْ
كالشّمسِ كُن نورًا ولا *** تأبَهْ لِعاقبةِ الصّعابْ

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.