شعار قسم مدونات

أحمد.. "شو بتحكي؟"

blogs - manasra

وسط حشود الصمت، وفي حضرة الوجع وفي ذكرى طفولة عُذّبت خلف قضبان أصغر من عظمتها وأكبر من اسمها.. كان يمرّ أحمد.. يمرّ محمّلا بهول الصدمة، ولعلّه يسمع صوت مطرقة القاضي مع كل نفس متلاهث يتنفسه، ويبكي أمه التي لن تنام حتى اثني عشرة عام قادمين.. ويعقد حاجبيه ليتلافى دمعة فارّة من احتلال القوّة بين موقيْه، ويمشي مسرعاً نحو قدره علّ السنين تمضي قدُماً وبسرعة، فيعود لحضن أمّه ولسريره ولصوت أبيه.. لعلّه يعود بسرعة لذاته التي ستكبر وحيدة وستنضج حد السقوط مبكراً.. علّه يركض نحو اليقظة فيستفيق من كابوسه المقيت.. ولكنّه ما زال يمشي في الرّواق بين الجموع.. بصمت!

في كل مرّة أنظر فيها لأحمد.. أشعر وكأنني أتمزّق لأشلاء إنسان في داخلي.. أشعر بضيق وحيرة! بضيق المقدرة وعجز القوة وحيرة القدر.

أنا على يقين، أن "فلاش" الكاميرات وضجيج الإعلام وتكاثف المراسلين على جانبيّ الطريق، ليسوا سوى سبباً إضافياً لفزع الرجل الطفل الشجاع المنكسر، كلّهم يقفون على الجانبين ينتظرون خروجه محمّلاً بنظرة الخيبة، الخيبة ممّا حكم عليه الزمن ومما حكمت عليه انكساراتنا ومما جلب ظلمنا له من ظلم!

ينظر منكسراً من الألم حاملاً فلسطين على رأسه، رافعاً قامته وهامته، غاضَاً بصر عينيْه عن الواقع القبيح.. الذي سرقه من حضن أمه، وأهداه مقعداً في باص المساجين بدل العابه وقدّم له المعاناة في قاعة المحكمة..
 
لم يجرؤ أحد على الحراك من مكانه هناك.. ولم يمنع ذلك الحرّاس من التبجّح والتمادي في الوقاحة والقباحة المجتمعتيْن في شارة شرطي وضعها على صدره، تماماً كما تخرق صدور الأطفال رصاصاته المحتلة وكما يثقب قلوب الأمهات ويثكلها ويوجعها حد الموت!

في كل مرّة أنظر فيها لأحمد.. أشعر وكأنني أتمزّق لأشلاء إنسان في داخلي.. أشعر بضيق وحيرة!
بضيق المقدرة وعجز القوة وحيرة القدر..

كيف حُكِم على ذاك الطفل بالرجولة المبكرة والشيخوخة الدائمة، وكيف حكم علينا باليأس والصمت والخذلان والعجز!

ذات يوم، سيُلبس أحمد فلسطين ذهب صمته ويبدلها خيراً من فضّة كلامنا.. حينها فقط سنعرف أحمد "شو بيحكي"!

اثنا عشر عاماً، بين الجدران وخلف القضبان تلك الجدران التي ستشهد على كل صرخة سيصرخها، وكل وجع سيحكيه وكل ابتسامة أمل سيبتسمها و كل سجدة يدعو فيها الله.. وخلف القضبان التي ستهترئ لكثرة محاولاته خنقها ببنانه الصلب، وستزول يوما ما لكثرة اهتزازها بين كفّيه البريئتين العربيتيْن الفلسطينيتيْن!

سيزول يوماً عنك الظلم يا أحمد مناصرة.. وسترفع إصبعيّ النّصر وتخرق بها عينيّ عدوّك وأعيننا؛ ولا بأس أن تبكي فدمعة من عينيك، هي طهارة لعالم نجس خبيث كُتِب لك أن تقع في مصيدة أفعاله..

وإن أكثر ما استفزّني في أحدث فيديو شاهدته بعد صدور الحكم.. ذاك الصوت البارد، الصوت الخافت من بعيد، يقتحم صدمته ويخترق صدره المكلوم وعقله المسلوب وحريته المكبّلة.. صوت تلك الصحفية لتقول "أحمد.. شو بتحكي؟"

أقول لها كما قال غسّان كنفاني ذات مرّة: إن الصّمت هو صراخ من النوع نفسه.. أكثر عمقاً وأكثر لياقة بكرامة الإنسان!

ذات يوم، سيُلبس أحمد فلسطين ذهب صمته ويبدلها خيراً من فضّة كلامنا.. حينها فقط سنعرف أحمد "شو بيحكي"!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.