شعار قسم مدونات

بين الواقع والطموح، أي الطريقين؟

blogs-الطموح
حينما أتأمل الواقع في بلدي أدرك حجم المسافة بين الثرى والثرية! ولكني أراجع إيماني بخالقهما، كي أَخلُص إلى الاعتقاد التام بقدرته العظيمة اللامنتهية. لم يمض وقت طويل على تخرجي من الجامعة، فقط بضعة أشهر، كل يوم أعيشه أراجع نفسي فيه، أقارن بين واقعي وبين ما أصبو إليه، أنظر إلى الحال الراهنة من غرقٍ في المادية و إشباعٍ للرغبات على حساب الروح سموها ونقائها.

فبين المادة والروح تاهت الأبصار، وفي عالم الحضارة والتطور غدت تغذية الروح تابعاً لِتَملُّكِ كلِّ جديد، حتى بدا أن غنى الروح من غنى المال وسعادة النفس لا تُحَصَّل لِمُعترّ. يوميات فتى عربي تكاد تنحصر بين متابعة أنواع السيارات والجديد من الهواتف، والفتاة لا يهمها سوى صيحات الموضة في اللباس والشعر والحجاب والمكياج آخذة بأدق التفاصيل، وحلمها بفارس تعيش معه بسعادة وهناء تحول إلى ثريّ يغمرها بالمجوهرات في يوم زفاف لم تره المعمورة من قبل، وإذا لم يأت ثرياً فقد حُكم عليه بالديْن لسنين قادمات.

إنهم لا يطيقون سماع كلمة طموح، ولا يترددون عن نعت صاحبه باللاواقعي. وأنت لا تفتأ تعبر عن رغبتك في التغيير حتى تُنعتَ بالأبله

السوق يعج بكمية فائضة من التزييف الموجه لخطف أبصار المارة، حتى إن حاز أحدهم مالاً في لحظة لا يتوانى عن الشراء، وإذا افتقر للنقود اكتئب لعدم قدرته على تحصيل البنطال ذي الركبة الممزقة! الدين أصبح مظاهر أيضاً، فالصلاة والصيام والحج كافيات لنعت أحدهم بالمسلم الملتزم، وباتت المعاملات المادية خارج نطاقه. التواضع صار ضعفاً، التسامح سذاجة والابتسامة لجني فائدة، باختصار، الإسلام ما عاد منهاج حياة.

الجميع يجيد الحديث برؤية ثاقبة، والجميع لا ينصاع لحديثه ولا لمبادئه، فهي أيضاً مظاهر! ولا قدوة ولا اقتداء، فتراهم ينشرحون لخبر زواج شخصين قرّرا إنفاق تكاليف زواجهما على دار أيتام بدلاً من الاحتفالات، ويمجدون بالألسنة شخصاً تفوق في أحد المجالات، والجميع يفهم ويكرر مصطلح "التقليد الأعمى" وينتقده ثم بكل بساطة يقلد.

ونعود للواقع!
وأعاود تذكير نفسي برفض الواقع سيئاته وقد كثرت، وأن مهمة الإنسان أسمى من السعي لنفسه وذاته، أسمى من الانجرار خلف شهواته، وأن الطموح واجب في المنهج القويم للحضارة الإنسانية، وأن السعي هو السبيل، وأن التعريف الحقيقي للطموح هو الوصول إلى درجة يرضى عنها الإنسان عندما يستذكر شريط حياته لحظة خروج الروح!

وأعود مرة أخرى للواقع بأشخاصه، فهم لا يكتفون بعيشه بأعين معصوبة، وإنما يحاولون عصب الأعين كلها، إنهم لا يطيقون سماع كلمة طموح، ولا يترددون عن نعت صاحبه باللاواقعي. وأنت لا تفتأ تعبر عن رغبتك في التغيير حتى تُنعتَ بالأبله، حتى تسمع "شو بدك تستفيد، كلو عالفاضي، عيش حياتك، بلا تغيير بلا هم، شفنا شو عمل غيرك، وأنت يعني شو بدك تعمل، حكي فاضي، قال طموح قال" وتبدأ جملة من الأمثال الشعبية تنهال على مسمعك حتى تكاد تنفجر من الغيظ، "الحيط الحيط"، "إذا انجنوا اللي حواليك عقلك ما بنفعك"، "حط راسك بين هالروس وقول يا قطاع الروس"..

ربما أستطيع الجزم أن ما تسمعه هو نتاج للسعي نحو ما يسمى بالسعادة، السعادة الزائفة سريعة التحول، السعادة التي تطلبها الأنا فتطاوعها النفس ثم ما تلبث أن تنكشف حقيقة زيفها حتى تكابر الأنا وتهوي بالنفس إلى قعر الاستسلام، فتتعس النفس وتظل الأنا تتظاهر بالثبات في طريقها للسعادة البائسة تلك، ولا تكتفي، بل تحاول إقناع من حولها بجمال واقعها ورضاها عما تصنع.

دعونا نطمح أن نكون جزءاً من هذا التغيير، يكفي أننا نفتقد على المستويات الشخصية الكثير من القدوات الحية، فلا تحرمونا نعمة الطموح.

أرى أن صاحب الطموح في بلدي يتعذب ألف مرة، فهو لا يلبث أن ينسحب من حوار مع السعداء حتى يدخل في صراع مع نفسه ليعيد تعريف السعادة في قاموسه الخاص، ولا يلبث أن يصل إلى مصالحة مع نفسه حتى يقع في دوامة "كيف السبيل؟"، وتاء التأنيث تضاعف العذاب، ولكن عذاباً عن عذابٍ يختلف كثيراً..

فماذا أرجو؟ أن دعونا نطمح، ولتسموه حلماً بعيداً أو مستحيلاً، سموه ما شئتم، ولكن أعطونا كامل الحرية دون تنغيص، تحدثوا عن هرائنا وسع ما شئتم ولا تُسمِعونا، دعونا ننظر إلى واقع جميل، تكتمل فيه الصحة الجسمية والنفسية، وتتلاشى فيه الأنانية، وتكون أولوية الإنسان فيه بناء الإنسان، دعونا نطمح أن نكون جزءاً من هذا التغيير، يكفي أننا نفتقد على المستويات الشخصية الكثير من القدوات الحية، فلا تحرمونا نعمة الطموح.

أكتب وأعلم أني لا أعلم ماذا ينتظرنا في قادم الأيام، أننا قد لا نكون جزءاً من التغيير، وأننا قد نبقى أسرى دائرة الواقع والطموح، وأن إنجازتنا القادمة قد لا تُذكر، ولكني أُعوّدُني ألا أستصغر من المعروف شيئاً، وأعلم أننا نؤمن بالله الخالق، أتدرون ماذا؟ نؤمن بالله الذي يملك كل شيء ويقدر على كل شيء، أتدرون ما يعني هذا؟ يعني أننا نستطيع أن نسأله ما شئنا وقتما شئنا وهو يسمعنا وهو مجيب الدعاء، ولكن علينا أن ننتبه جيداً أن استجابة الدعاء تتطلب إيماناً صادقاً بعيداً عن التنظير والتبرير.
اللهم استخدمنا ولا تستبدلنا

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.