شعار قسم مدونات

قضايانا.. كيف ننصرها؟

القدس

إن تداخل اهتماماتنا وأعمالنا بوسائل التواصل الاجتماعي جعلنا نضطر أحيانا لمتابعة ما ليس من أولوياتنا أومما لسنا من محبيه، فمثلا عندما تفتح حسابك على الفيسبوك مخططا لعمل معين، تضطر لقراءة أو مشاهدة فيديو موضوعه يثير اهتمامك، أو قضايا أثيرت فتعددت الآراء فيها بين مؤيد، معارض، مستهزئ ومستقبح.

مرت ألعاب الأولمبياد التي أقيمت بالبرازيل بإثارة الكثير من القضايا منها: مواجهة أو انسحاب بعض المسلمين العرب أمام لاعبين من دولة الاحتلال لأرض فلسطين، فانقسم متابعو ومعلقو على القضية إلى قسمين، بين مكبر ومثن على المنسحب ومعتبرا إياه ناصرا لقضية فلسطين، ناكرا لوجود دولة الاحتلال ورافضا لجعل أية علاقة معها طبيعية.

لنصرة قضيتنا نحتاج لامتلاك رؤية بعيدة المدى والعزيمة القوية والهمم العالية مع العمل الجاد دون انتظار شكر من أحد أو تقدير.

أما الفئة الثانية والتي تعتبر قلة، فترفض هذا الانسحاب وترى فيه انهزاما للقضية وإنما الخوض والمشاركة ثم الفوز في المباراة هو من أحد أسباب القوة والانتصار.

ومن بعض هذه المبارزات التي حدثت في الأولمبياد وأحدثت معها ضجة:لاعب مصري قرر ألا ينسحب أمام نظيره اللاعب باسم دولة الاحتلال، فكان محط أنظار العامة، لكنه وللأسف خسر المبارزة، فلحقته الشتائم والاستهزاء من بعض المتابعين.

فلو تأملنا قليلا لوجدنا أن اللاعب المصري قرر خوض المباراة فإما الخسران أوالربح، لكنه على الأقل اختار الدخول في المعركة، وأعلن بدايتها ومما لا شك في، أنه علم الآن جيدا أن هناك معركة وكيف هي وما مدى قوتها؟ وصعوبة هزيمتها.

فقد تؤهله هذه التجربة للاستعداد أكثر وتغيير نمط خطة لعبه، ومعرفة أسلوب وطريقة تفكير عدوه لينتصر في المباراة القادمة، فتكون بذلك بداية الانتصارات. فهل يتساوى من اختار  أن يخوض المعركة ويواجه صعوباتها مع غياب باقي المحاربين كمن اختار أن ينصر القضية عاطفيا فقط، وينسحب في أصغر معركة؟

هل تنتصر الدول وتتقدم عسكريا فقط أم يجب أن يكون الانتصار والتقدم في شتى الميادين وخصوصا في مجال العلوم والاقتصاد..؟

لنتوقف لبعض الوقت، ونعيد التفكير في تعاملنا مع قضية فلسطين ففي السنوات الماضية كانت كلما شنت دولة الاحتلال حربا على فلسطين وقتلت أهلها، خصص الإعلام مساحة خاصة لموضوع الساعة، وقامت مظاهرات ومسيرات مليونية في شوارع الدول العربية خاصة والدول الأخرى، مستنكرة لجرائم الصهيونية ،حاملة لصور الدمار والقتلى من أطفال ونساء وشيوخ مع الهتاف بشعارات قوية معانيها رنانة كلماتها.

إلا أن وبعد مضي ساعات على نهاية المسيرة، يرجع كل مشارك إلى بيته إلى حياته الخاصة التي كان عليها من قبل المسيرة باحثا عن لقمة عيشه هو وأسرته، خائفا على مستقبل أبنائه ساعيا لرفاهية العيش.

قضايانا لن نجد لها حلا إلا إذا ربطنا حياتنا بأهداف كبرى تضم العالم أجمع، مستمدين من المنبع الروحي ليدفع بنا نحو الخيرية والعمران.

وكذلك باقي الشرائح من شباب وجمعيات وغيرها من الهاتفين لفلسطين وقضاياها. لكننا نكاد لا نجد من يهتف لفلسطين طول السنة ويخطط لنصرة قضيتها بخطط عملية  واقعية تخدم فلسطين والفلسطينيين.

بالمقابل ألا يرى من هو معني بقضية فلسطين التاريخية، أن له جهاد آخر وجب عليه القيام به، فما نحن إلا جنود على هذه الأرض أينما أقمنا قمنا.وما علينا امتلاكه في هذه المرحلة هي تلك الرؤية البعيدة المدى والعزيمة القوية والهمم العالية مع العمل الجاد دون انتظار شكر من أحد أو تقدير.

يجب تجاوز كل المخاوف والضغوطات التي تعيشها مجتمعاتنا، متحررون من قيود أنفسنا وهوانها، ساعين لإعداد جيل يتخطى حب ذاته والعمل على نجاحها دون ما تفكير في قضايا الإنسانية جمعاء، تماما على خطى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أرسله الله عز وجل رحمة للعالمين وللناس كافة، لقول الله عز وجل "ومَا أَرْسَلناكَ إلَّا رَحمَةً للعَالَمِين" سورة الأنبياء.

في الأخير، إن قضايانا لن نجد لها حلا إلا إذا ربطنا حياتنا بأهداف كبرى تضم العالم أجمع، مستمدين من المنبع الروحي ليدفع بنا نحو الخيرية والعمران. فلو حرص كل منا على تحقيق هذه الأهداف وعاش ومات لأجلها، سننصر ليس فقط قضية فلسطين، ولا قضية المستضعفين في أنحاء العالم، وإنما سننصر القضية التي خلقنا لأجلها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.