شعار قسم مدونات

تصريح صلاة!

BLOGS-تصريح صلاة

قارب مغرب ذلك الخميس وأنا على أحد مقاعد المكتبة أعمل مع زملاء البحث منهمكين في تحليل النتائج وتفسيرها استعداداً لتسليم مشروع التخرج. أخي يتصل، لا وقت للإجابة، تصلني منه رسالة: "التصاريح جاهزة" هل أفرح بعدما فقدنا الأمل؟ أم أقلق فالوقت قد تأخر لاستلامها؟ هل أنسى الأمر وأكمل عملي، أم أعتذر وأذهب لمحادثة أخي وصديقاتي كمحاولة، قد تفشل، للوصول إلى هناك؟
 

لقد سمحوا منذ فترة تقديم التصاريح للدخول إلى القدس أو الساحل لمن أراد من مدن الضفة، عليك فقط أن تبعث رقم بطاقة الهوية! وحتى يتم الأمر بسرعة، يلزم تقديم أرقام مجموعة تحت اسم مؤسسة يرغب بعض أفرادها بالذهاب إلى هناك. الفرصة ذهبية! نحن الذين نحِنّ دوماً لرؤيتها، للمعة قبتها، لخشوع الروح فيها، لسجدة في ساحها، وصورة شخصية أمام زيتونة مباركة ترى خلف أغصانها مجموعة مرابطات يعتلين مصطبة، صورة حقيقية بدلاً من صورة ورقة مكتوبٌ عليها "الأقصى يشتاق لك!".
 

نحن فقط نريد أن ندخل القدس، بسلام، أي سلام؟ نحن نخدع أنفسنا، ماذا تستفيد القدس من ثلة تدخلها تصلي وتعود حيث أتت؟!

اتفقنا، وصل عددنا إلى سبعة، طبعنا أسماءنا وأرقامنا تحت اسم شركة للكمبيوتر يعمل فيها قريب إحدانا. ووصلت الورقة إلى الارتباط في رام الله منذ أسبوعين. مرت الأيام دهراً ولا خبر! عزيزاتي: يبدو أن الطلب ضل طريقه أو ربما أُهمل لكثرة الإقبال أمام المسموح. لننسى أو نتناسى!
 

تركت العمل وذهبت لأهاتف أخي الذي تكفل بتقديم الطلب، أخبرته أني سعيدة وممتنة ولكن كيف للتصاريح أن تصلنا في نابلس وقد تأخر الوقت؟ كلمت صديقتي وتدبرنا الأمر، فالفرصة لا تعوض! إنه تصريح ليوم واحد "غداً الجمعة". هاتفت البقية وعزمنا التجمع الساعة السادسة صباحاً حتى نصل المعبر قبل الأزمة. صليت الفجر وتابعت شروق الشمس بحب لم أعهده، وصلت المجمع، ركبنا الحافلة، وانطلقت تقل قلوباً تخفق أملاً، وأرواحاً أرهقها البعدُ تُسابِق أجساداً جوارحُها تئنّ اشتياقاً. في الحافلة رجال ونساء يستطيعون مرور المعبر بتصريح عمل أو مرض، ونحن أيضاً نحمل تصاريح.
 

انتظمنا في الصف أمام بوابة المعبر الضيقة المستفزة، بدأ أحدهم يتحدث عبر مكبر الصوت، العربية التي يتحدثها ثقيلة وبالكاد فهمنا أن على كل من يحمل تصريح رحلة التنحي جانباً، نظرنا إلى تصاريحنا: تصريح رحلة! تمتمنا بيننا أنهم ربما يريدون تسهيل العبور، ذهبنا نسأل وكانت الصدمة: لا يمر في يوم الجمعة إلا من يحمل تصريح صلاة!

عجباً لهم، أيعرفون الصلاة؟ تباً لهم، هل سيحرموننا الدخول؟ يا إلهي لماذا لم ينبهنا أحد لهذا؟ رحنا ببراءة نحو أحد الجنود نقول بأننا لا نريد الذهاب لرحلة إلى البحر، نحن نريد الصلاة! هه إلى من نتحدث يا رفيقات؟ ماذا يعنيه كلامنا؟ سيستهزئ بنا حتماً. أم إحدانا ووالد أخرى رافقانا في الحافلة ويحملون تصاريح مسموحة، بقوا في الصف، نراهم يقتربون، لقد عبروا! لن أسمح لدمعة اللقاء أن تتحول إلى دمعة حزن على عدم اللقاء، سننتظر يا صديقات، إنها القدس! دقائق وإذ بسائق يقترب منا وقد فهم المشكلة: "أستطيع المساعدة أخواتي، هناك معبر آخر يسمح بدخول تصريح رحلة"، لا مجال للتفكير، نحن سبعة والسيارة حمولتها سبعة. وصلنا بعد نصف ساعة، المعبر الآخر لا يسمح بالدخول!
 

كنا وقتها أقرب إلى الخليل، الأمل تضاءل جداً، اقترحنا الذهاب للصلاة في الحرم الإبراهيمي بدلاً من الرجوع، ولكن قد نواجه صعوبة في المواصلات عند العودة! ما العمل؟ بأي قلب سنعود أماكننا؟ أرواحنا تنتظرنا هناك! لقد سبقتنا. أيها السائق، أما من معبر آخر؟ كلم زميله فأخبره أن معبراً بعيداً قد يسمح! حسناً، لنذهب. وجوهنا لا تُفسَّر وقلوبنا بين مد وجزر، ربما ينوي السائق خداعنا لكسب مزيداً من النقود! صديقاتي، لقد عزمنا أمرنا منذ البداية، خيار العودة لن يكون سهلاً أبداً، سنعود مهزومين مثقلين بوجع لن ننساه، لِيَهُن كل شيء من أجلها!
 

لن أحرر الأقصى بدخولي إليه، ولكني سأصلي هناك وأدعو، لم يكن خطأي تهويدها، إنه خطأ أمة، بكيت!

عجلات السيارة تدور، أماكن غير معهودة، الوقت يمضي، ألهذه الدرجة تبعد نعلين عن رام الله؟ غصة القلب تتلاشى بشكل عجيب، ملَكنا الاستغفارُ، فبه يرسل اللهُ السماءَ مدراراً! وصلنا، المعبر هذا غريب التصميم، معظم العابرون من العمال، وآخرون يلبسون زي الشاطئ، أين نحن؟ حاسبنا السائقَ بعدما دلّنا على طريق العودة في حال رُفضت تصاريحنا، وعلى عكس التوقع فقد تساهل معنا. وقفنا في صف متعرج طويل يتخلله بين الحين والآخر تجاوز من شخص يريد العبور بسرعة، والمضحك، أو المحزن لا أدري، أنه لم يكن هناك عبور! نحن فقط نقف في صف يطول، الجنود ينظرون من أعلى، والكل يترقب تحرك البوابة، ظننا لوهلة أن عطلاً خبيثاً أصابها فلن تدور، وسنعود، لكنّنا عاودنا الاستغفار.
 

صوتُ شجار نشب بالقرب، إنهم بعض عمال يتزاحمون قرب البوابة المغلقة يريد أحدهم تجاوز الآخر في مكان لا معنى للتسابق فيه! الصوت يعلو والألفاظ تزداد هبوطاً والجنود يراقبون المشهد ببرودة وضحكة مسمومة، صوتٌ عاقلٌ خرج من أحدهم "عار عليكم تتشاجرون لسبب تافه أمام عدوكم، أنتم تنصرونه بهرائكم هذا، استفيقوا".
 

زال صدأ البوابة، بدأت تدور، رفت قلوبنا، تجمعنا وحافظنا على أجسادنا وحدة واحدة، نحن نقترب، الأفكار السوداء تداهمنا، لن يسمحوا لنا بالعبور! الاستغفار يعلو والبسمة تعود، حان دورنا، اندفعنا سبعةً عبر البوابة الضيقة، فرحنا، أمامنا غرفةُ تفتيش! إلى متى هذا الذل؟ من السبب في تنكيلنا؟ من نلوم؟ إنّه ذلٌّ موروث! لا مجال للصراخ، لا مجال لنظرةِ حقدٍ في عيون تلك المجندة، نحن فقط نريد أن ندخل القدس، بسلام، أي سلام؟ نحن نخدع أنفسنا، ماذا تستفيد القدس من ثلة تدخلها تصلي وتعود حيث أتت؟! يا نفس ارأفي بحالي، ما بيدي حيلة، هل أعود بعدما قطعنا تلك المسافات؟ لن أعود، لن أحرر الأقصى بدخولي ولكني سأصلي هناك وأدعو، لم يكن خطأي تهويدها، إنه خطأ أمة، بكيت!
 

إننا نعبر من القدس الغربية، الملامح العربية معدومة، بعض البيوت القديمة، التي أفقدها اللونان الأزرق والأبيض عروبتها، أدخلتني في حيرة كبيرة.

المجندة تدقق التصاريح، وافقوا، عبرنا! نحن في الجانب الآخر من الوطن المسلوب، عمارات الساحل قريبة منا وطائرة غادرت مطارها قريبة أيضاً! سائق عربي بالقرب، أين نحن؟ أنتم قريبون من الساحل، رحلة أم صلاة؟ في الواقع نحمل تصريح رحلة وننوي الصلاة، العربي يدرك النوايا والحمد لله.

لكن أصواتاً ربما خيالية تشير إلى الساحل! فلتذهبي أيتها الأصوات إلى الجحيم، أي ساحل أمام صلاة هناك، المسجد واجب علينا الصلاة فيه رغم أسره، ولكن بأي نفس أرى ساحلاً محتلاً، على شطآنه يتصيف القطّاع، لن أسمح لنفسي بزيارته ما دام كذلك! أخبَرَنا السائقُ أن ساعةً تفصلنا عن المسجد الأقصى، نظرت إلى ساعتي، إنها الحادية عشر والنصف، صلاة الجمعة بعد ساعة تماماً، لا مجال للنقاش في أي شيء.
 

إننا نعبر من القدس الغربية، الملامح العربية معدومة، بعض البيوت القديمة، التي أفقدها اللونان الأزرق والأبيض عروبتها، أدخلتني في حيرة كبيرة، تذكرت فيلم "المتبقي" وبكاء "فرحان" بعدما قفزت به جدته من القطار حفاظاً على هويته! نزلنا من السيارة، علينا حث الخطى بجانب السور حتى نصل بسرعة، فالمؤذن على وشك النداء، من أي باب؟ أذكر في آخر زيارة منذ سنتين أننا دخلنا من باب حطة، فقد قالوا إنه أقل أزمة من غيره، ذهبنا صوبه، مشينا، ركضنا، وصلنا، القبة أمامنا، "الله أكبر الله أكبر".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.