شعار قسم مدونات

داؤك منك وما تُبصر!

A person receives a test for diabetes during Care Harbor LA free medical clinic in Los Angeles, California September 11, 2014. REUTERS/Mario Anzuoni/File Photo
"ماذا تعرف عن السكري؟" كان أول سؤال نسأله للناس في حملة قمنا بها قبل عام تماماً في اليوم العالمي لمرض السكري والذي يصادف 14-11 من كل عام، هدفنا من خلالها اختبار مدى وعي الناس به وإدراكهم لمخاطره، وقمنا بعمل فحص لنسبة السكر لمجموعة اختيرت عشوائياً.

تفاجئنا وقتها أن المعلومات التي يملكها المعظم سطحية جداً ومبعثرة ولا تتجاوز في أحسنها تعريفاً بسيطاً بكونه ارتفاع السكر نتيجة خلل هرموني. البعض أضاف وجود نوعين منه، وآخرون أشاروا إلى علاقته بالوزن وطبيعة الغذاء.

تشير إحصاءات الاتحاد الدولي لداء السكري للعام 2015أنه مسؤول عن وفاة 5 ملايين شخص في العالم سنوياً، أي ما يعادل وفاةً واحدة كل ست ثوانٍ!

أما عن مضاعفاته، فالثقافة كانت ضيئلة جداً. صحيح أن الإلمام الشامل بطبيعة مرض معين هي مسؤولية الطبيب ومن يعمل في الحقل الطبي، ولكن، عندما يكون الحديث عن مرض العصر، فإن مهمة المؤسسات الصحية وأفرادها يجب أن تتركز في الوقاية قبل العلاج، ولا تكون الوقاية إلا بالتوعية والتثقيف والمتابعة. وبالمناسبة، فإن ميزان ازدهار النظام الصحي في بلد ما يُقاس بما ينعم أفراده من صحة وما يتوافر لهم خدمات أولية تشمل التوعية، ما يقلل من الحاجة إلى الخدمات المتخصصة، وليس بتطور تقنياته الطبية الحديثة.

فلنتحدث قليلا عن مرض السكري: تُعرف منظمة الصحة العالمية مرض السكري بأنه مرض مزمن يحدث عندما يعجز البنكرياس عن إنتاج الإنسولين بكمية كافية، أو عندما يعجز الجسم عن الاستخدام الفعال للإنسولين الذي ينتجه. والإنسولين هو هرمون ينظّم مستوى السكر في الدم.

والسكري نوعان أساسيان، الأول يعرف بسكري الأطفال ويتسم بنقص إنتاج الإنسولين، وهو نوع لم يتوصل العلم الحديث إلى طريقة للوقاية منه، لكن علاجه يكون بالإنسولين من خلال جرعات منتظمة تحافظ على توازن السكر في الدم، فيستطيع المصاب الحفاظ على صحته باتباع الجرعات والمراجعة الدورية للطبيب. وتشمل أعراضه فرط التبوّل، والعطش، والجوع المستمر، وفقدان الوزن، والتغيرات في البصر، والإحساس بالتعب. وقد تظهر هذه الأعراض فجأة.

أما النوع الثاني، فهو يحدث نتيجة عدم قدرة الجسم على استخدام الإنسولين، ويرتبط هذا ارتباطا وثيقا بفرط الوزن والخمول البدني. وقد تكون أعراضه مماثلة لأعراض النوع الأول، ولكنها قد تكون أقل وضوحاً في كثير من الأحيان. ولذا فقد يُشخّص بعد مرور عدة أعوام على بدء الأعراض، أي بعد حدوث المضاعفات. وما يميز هذا النوع هو إمكانية الوقاية منه، رغم ارتباطه بالعامل الوراثي.

إن خطورة المرض تكمن فيما يحمله من مضاعفات لا مفر منها إن هو أُهمل ولم يُتابع بجدية، فارتفاع السكر في الدم يؤثر تأثيراً مباشراً على القلب والأوعية الدموية والعينين والكلى والأعصاب، فيتضاعف خطر النوبات القلبية والسكتات الدماغية وبتر الأطراف والإصابة بالعمى والفشل الكلوي.

تشير إحصاءات الاتحاد الدولي لداء السكري للعام 2015أنه مسؤول عن وفاة 5 ملايين شخص في العالم سنوياً، أي ما يعادل وفاةً واحدة كل ست ثوانٍ! وأنه بحلول سنة 2040 سيكون هناك 642 مليون إصابة مقارنة مع 415 مليون لسنة 2015. وهو أمر يثير القلق لاسيما أن هذه الأعداد تزداد تناسباً مع تغير نمط الحياة ونظام الغذاء عالمياً، ويضاعف المسؤولية أمام المؤسسات الصحية الدولية والمحلية للحد من خطر الإصابة أو المضاعفات.

إن الوقاية من خطر السكري تشمل جانبين أساسين، الأول يتمثل في الحد من الإصابة به، وهنا نقصد النوع الثاني، وذلك من خلال العمل على بلوغ الوزن الصحي والحفاظ عليه، عن طريق اتباع نظام غذائي صحي يشمل ثلاث إلى خمس حصص يومية من الفواكه والخضار والأغذية قليلة الدسم والابتعاد عن الوجبات السريعة قدر الإمكان، إضافة إلى ممارسة النشاط البدني ما لا يقلّ عن 30 دقيقة من النشاط المعتدل والمنتظم في معظم أيام الأسبوع، وتجنّب التدخين الذي يزيد من مخاطر الإصابة بالأمراض القلبية وأمراض الأوعية الدموية. وهذه الأمور تتطلب جهداً شخصياً وإرادة قوية تؤمن بنعمة الصحة ولا تكفرها.

في أيام تدريبي في كلية الطب، كنا نتابع الحالات في مختلف الأقسام، وصدقاً أقول إن أكثر الحالات التي أثرت فيّ كانت في قسم غسيل الكلى.

أما الجانب الآخر فيتركز حول تشخيص المرض في مراحل مبكرة من خلال الفحوصات الدورية، وعلاجه بالأدوية المناسبة، والمتابعة المستمرة لمستوى السكر في الدم ومدى الاستجابة للأدوية. إضافة إلى متابعة عمل الأعضاء التي تتأثر بالمرض، يشمل ذلك فحوصات دورية لعمل الكلى والقلب وشبكية العين، ورعاية القدمين.

وهنا يبرز دور المؤسسة الصحية من خلال وضع برامج واضحة لمتابعة المرضى وإرشادهم وتوعيتهم. وعلى الرغم من التقدم الملحوظ في هذه البرامج، فإن كثيراً من المرضى لا يلتزمون بالجرعات والفحوصات ويتعاملون مع المرض ببساطة قد تكلفهم أرواحهم، وهذا يتطلب دعماً قوياً من أقارب المريض حتى يستطيع التعايش مع مرضه بإيجابية تزيد من التزامه بالتعليمات الطبية حتى يتقي كثيراً من العلل.

في أيام تدريبي في كلية الطب، كنا نتابع الحالات في مختلف الأقسام، وصدقاً أقول إن أكثر الحالات التي أثرت فيّ كانت في قسم غسيل الكلى. هناك، ترى وجوهاً شاحبة تقرأ فيها يأساً واستسلاماً يحرق القلب، شخصاً عمره ناهز الأربعين له من الأولاد أربعة، عاطلاً عن العمل لأنه فقد بصره وعلى وشك بتر طرفه، يأتي إلى قسم الكلى ثلاث مرات في الأسبوع ليتخلص مما تراكم في دمه من سموم كانت كليتاه كفيلتين بطردها لولا أنه أصيب بالسكري منذ أعوام ولم يتابع الأمر بجدية.

كثيرون مثله أفقدهم السكري حياتهم الطبيعية فأصبحوا أسرى عكازتين تحركان أجساماً فقدت بصراً وقدمأ، فتوصلهم إلى مكانٍ يسمعون فيه قصراً معزوفة تراجيدية تطلقها أجهزة غسيل الكلى! فلنرأف بأجسادنا التي سنُسأل عنها فيما أبليناها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.