شعار قسم مدونات

حب ومودة ورحمة.. لا أشياء أخرى

blogs - marrige

مؤخراً، كثرت حالات الزواج، ولعلّ المواقع الاجتماعية وجهات التواصل كلّها تشهد بضجيج أخبار الارتباط، ومما يلفت الأنظار أيضاً حالات التعاسة وحالات الطلاق، وهذيْن هما الأمرّيْن.
 

نرى في مجتمعاتنا أن الفتاة تحلم دوماً بالزواج، مهما كانت ناجحة ومتألقة وأيّا كانت.. لا بد وأن يراودها حلم الارتباط وحلم تكوين أسرة، خاصّة وأن مجتمعنا قد قام بحشو مخيلتها بموديلات الفستان الأبيض، وملأ مسامعها بأصوات الزغاريد التي ستملأ المكان حين تتزوج، واعتاد نظرها على الطرحة البيضاء التي تتخللها أحلام كثيرة بين طياتها، أحلام بعيدة.. ولعلها أحلام فقط. ونرى الشاب يطمح دوماً للارتباط بفتاة على هواه، أو على هوى والديْه، ويطمح أيضاً لتكوين أسرة وإنجاب أطفال يهتفون له دوماً: بابا.

بعد الزواج لن تجدا وهج الحب ذاته الذي تعيشانه اليوم، بل سيبقى لكما المودّة والرحمة، وإن لم تخلقانهما من الآن.. فعلى زواجكما السلام

وكلاهما، يحلمان بعالم ورديّ، عالم لا ديون فيه، ولا مشاكل مصحوبة بأيامه الطويلة، عالم يخولهم بالحصول على تذكرة سفر كل شهر الى أي وجهة عالمية يريدون، ويمكّنهم من السكن في منزل راقٍ في منطقة جميلة ومطلّة، ويحلمان في الحياة الوردية التي يسترق فيها الزوج النظر على زوجته التي تطهو الطعام في مكان يملأه البياض والنظافة الكاملة، فيغمرها بيد ويناولها باقة الورد الأحمر باليد الأخرى.. ويحلمان بطفل هادئ يرتدي من أفخم الماركات العالمية ويبدو كأطفال الأفلام في الصور، ويحلمان أيضاً بضحك يملأ السهرات وبمتعة الحياة والرفقة كل يوم، ويحلمان بخلاف ينتهي بابتسامة أو بغمرة.. كل مرة.. فيحلمان بالحب.. وبالحب فقط.

و حين يأتي دبوس الواقع ليثقب فقاعة الأحلام.. يستيقظان. فتراهما منغمسان في واقع المسؤوليات، وواقع الحياة السريعة والمتعبة، واقع تغير شخصياتهما، واقع عودته من العمل منهكاً وواقع احتراق الطبخة عشرات المرات. وواقع أن الحمل والإنجاب يتخللهما الوجع والأرق والضجر، وواقع أن الأطفال ليسوا كلهم هادئي الأطباع. ونراهما يبحثان في كل مرة من مرات التعب عن الحب، ويبحثان في تقارير الطب عن الحب، وفي بيوت العزاء وفي صالات الأفراح وفي الخلاف وفي الرضا.. في كل آن وحين يبحثان فقط عن الحب، وحين لا يجدان تلك الكلمة تتخلل مواقفهم، وحين لا يجدان لها متسعاً من الوقت في كل مرة ومع كل عثرة، وحين تنقص الورود واحدة، وحين تتأخر المواعيد، وحين يصير السفر حلماً والنوم مطلباً.. نراهما يوقّعان على ورقة الفراق، سواء بالطلاق أو بالحكم على نفسيهما بالتعاسة المؤبدة.
 

منظومة الزواج منظومة غريبة وجميلة بغرابتها، ليست خاتماً وزفافاً، وليست شهر عسل فقط، بل إنها مشروعاً أبدياً يجهل الكثيرون ماهيته.

لذلك.. أستذكر دوماً قول والدي لي قبل الزواج، أن بعد الزواج لن تجدا وهج الحب هو ذاته الذي تعيشانه اليوم، بل سيبقى لكما المودّة والرحمة، وإن لم تخلقانهما من الآن.. فعلى زواجكما السلام. ومن هنا أذكر قول الله جل وعلا: ((وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)). فالسكينة والطمأنينة والمودة والرحمة هم الأبقى، إنها مصطلحات تجسد الحب في أرقى معانيه، تجسده بلجوئنا لذاك الشخص في فزعنا وخوفنا وبعثرة ترتيباتنا، وبرؤيتنا إياه في كل جميل نعيشه وكل جميل نراه، تجسده بالراحة التي نجدها معه لا مع غيره، ونجده بجبر الخاطر ولا بكسره، نجده بالخلاف الطويل الذي ينتهي أخيراً مهما طال لتعود الحياة أجمل لا أكثر قباحة ولا أكثر انكساراً وظلمة، تتجسد كينونته في الاعتناء ببعضهما في المرض وبالارتكاز على عكاز الحب في العجز.

بالطبع.. سيسترق النظر من خلف الباب مرة، وسيفرحها بوردة ذات يوم، وسينتهي أحد الخلافات بغمرة وستمضي الحياة قدماً، وسيعيشان سهرات جميلة وليلات كلها ضحك يوما ما، وسينام طفلهما ليلات هادئة. ولكنهما أيضاً سيأكلان كل على حِدة، وسيبكي أطفالهما كثيراً، وسيدوم الخلاف طويلاً جداً، وستتعقد الحياة وتصعب الأمور. فدوام الحال من المحال، وهنا يكمن تحدي مشروع الزواج.

منظومة الزواج منظومة غريبة وجميلة بغرابتها، ليست خاتماً وليست زفافاً، وليست شهر عسلٍ فقط، بل إنها مشروعاً أبديّاً يجهل الكثيرون ماهيته، فنراهم يوقّعون أوراقاً وتعهدات ذات صلاحية قريبة النهاية، فتنتهي بمجرد اصطدامهم بأرض الواقع الجميل رغم صعوبته.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.