شعار قسم مدونات

الروس بعيون عربية قبل ألف عام!

blogs - putin
عاد الروس إلى الشام وربما المنطقة العربية أقوى مما كانوا عليها في عصر الاتحاد السوفيتي؛ ومنذ تلك العودة وحتى اليوم تتواتر على ذهني تلك القراءات القديمة التي مرّت بي حول وجهة نظرة جغرافيينا ورحّالينا إلى هؤلاء الروس منذ ألف عام خلت!

لقد رأوهم مجموعة من الهمج والقتلة، بعيدين عن الحضارة والثقافة، قريبي عهد بحياة التوحش والبدائية، في وقت كان أقصى مطمح لهم أن يسمح الخليفة العباسي بتصدير ما يحتاجون إليه من الأدوية التي لم يكونوا يعرفونها، وأن يرسل ولو طبيب لهم كي يعالجهم من أدوائهم!

وكم هو عجيب حقًا أن ترى هذا الاطراد في الوصف على مدار قرون متوالية عن الروس في كتب البلدان العربية قبل ألف عام، وصف بالتأخر والتخلف والتقزز، في وقت كانت الحضارة الإسلامية في ألمع فتراتها.

لقد رأى ابن فضلان الروس: "أقذر خلق الله لا يستنجون من غائط ولا بول ولا يغتسلون من جنابة ولا يغسلون أيديهم من الطّعام، بل هم كالحمير الضّالة.

فمن أقدم النصوص التي تصف لنا الروس يأتي وصف عبيد الله بن أحمد بن خُرداذبه (ت 280هـ/893هـ) الذي يصف تجارتهم، ومن كان يتولى الترجمة لهم حين يقدمون بغداد العاصمة العالمية حينها، وكيف كانوا يؤدون الجزية للخلافة العباسية، يقول: "وهم جنس من الصقالبة؛ فإنهم يحملون جُلود الخزّ، وجلود الثعالب السُّود، والسيوف من أقصى صَقلَبة إلى البحر الرومي فيعشَرهم صاحب الروم.. وربما حملوا تجاراتهم من جُرجان على الإبل إلى بغداد، ويُترجم عنهم الخدَم الصقالبة، ويدّعون أنهم نصارى فيؤدّون الجزية". (ابن خرداذبة (ت 280هـ): المسالك والممالك ص36).

ومع ذلك فإن بعضا من الأمة الروسية هاجموا الأندلس في أواخر القرن الثالث الهجري، حيث "دخلها المجوس الذين يقال لهم الروس سنة تسع وعشرين ومائتين فسلبوا ونهبوا وحرقوا وقتلوا". والوصف لليعقوبي (ت بعد 292هـ): البلدان ص194.

على أن أدق واصف لهم، كان الفقيه والسفير العباسي أحمد بن فضلان بن عباس (ت بعد 310هـ)، ذلك ابن فضلان قد سافر برفقة وفد رسمي من قِبل العباسيين إلى أرض السلافيين أطراف نهر الفولغا بتكليف من الخليفة المقتدر العباسيّ، وذلك حينما كتب ملك الصقالبة في سنة 309 هـ / 921 م إلى الخليفة يسأله فيه البعثة إليه بمن يفقّهه في الدين، ويعرّفه شرائع الإسلام، ويبني له مسجداً وينصب له منبراً ليقيم عليه الدعوة له في بلده وجميع مملكته، ويسأله بناء حصن يتحصن فيه من الملوك المخالفين له. فأرسل الخليفة المقتدر إلى ملك الصقالبة وفداً يتكوّن من أربعة رجال أساسيين وبضعة مرافقين من الفقهاء والمعلمين والغلمان ومنهم ابن فضلان.

لقد رآهم ابن فضلان: "أقذر خلق الله لا يستنجون من غائط ولا بول ولا يغتسلون من جنابة ولا يغسلون أيديهم من الطّعام، بل هم كالحمير الضّالة يجيئون من بلدهم فيرسون سفنهم بإتل وهو نهر كبير ويبنون على شطّة بيوتا كبارًا من الخشب. (رحلة ابن فضلان (سنة 309هـ)". قال ابن فضلان: "وكان إلى جانبي رجل من الروسية فسمعته يكلّم الترجمان الذي معي فسألته عمّا قال له فقال: إنه يقول: أنتم يا معاشر العرب حمقى. فقلت: لم ذلك؟ قال: إنكم تعمدون إلى أحبّ الناس إليكم وأكرمهم عليكم فتطرحونه في التراب وتأكله التراب والهوام والدود، ونحن نحرقه بالنار في لحظة فيدخل الجنة من وقته وساعته!

وهي رؤية يؤكدها الاصطخري (ت 346هـ) في "المسالك والممالك" بقوله: "والروس قوم يحرقون أنفسهم اذا ماتوا، وتحرق مع مياسيرهم الجوارى بطيبة من أنفسهنّ، وبعضهم يحلق اللحى، وبعضهم يفتله مثل الذوائب ولباسهم القراطق القصار".

"وهؤلاء الروس يتجرون الى الخزر ويتجرون الى الروم وبلغار الاعظم وهم متاخمون للروم فى شماليّها وهم عدد كثير يبلغ من قوّتهم انّهم ضربوا خراجا على ما يلى بلادهم من الروم". الاصطخري

أما ابن حوقل (ت 367هـ) لا يبتعد كثيرًا عن تأكيد تلك الحقيقة الجامعة بين همجية الروس وقوتهم، قائلاً: "والروس قوم همج سكّان بناحية بُلغار فيما بينهم وبين الصقالبة على نهر إتل".

على أن ابن حوقل قد رأى الروس ثلاثة أقسام في زمنه، قائلاً: "والروس ثلاثة أصناف؛ فصنف هم أقرب إلى بُلغار وملكهم بمدينة تسمّى كويابه وهى أكبر مِن بلغار، وصنف أعلى منهم يسمّون الصلاويّة وملكهم بصلا مدينة لهم، وصنف منهم يسمّون الارثانيّة وملكهم مقيم بأرثا مدينة لهم، ويبلغ الناس في التجارة معهم الى كويابه ونواحيها، فأمّا ارثا فلم أسمع أحدا يذكر أنّه دخلها من الغرباء لأنّهم يقتلون كلّ من وطئ أرضهم من الغرباء، وإنّما ينحدرون في الماء، يتَّجرون ولا يُخبرون بشيء من أمرهم ومتاجرهم، ولا يتركون أحدًا يصحبهم ولا يدخل بلادهم، ويُحمل مِن أرثا السمّور الأسود والثعالب السود والرصاص وبعض زيبق".

إن المفارقة جد بائسة بين الروس الأقدمين، وبين العرب الأقدمين، بين الحضارة والبداوة، وبين التخلف والثقافة.

أما صاحب كتاب "حدود العالم من المشرق إلى المغرب" لمؤلف فارسي مجهول (ت بعد 372هـ): فيرى أن بلادهم واسعة كبيرة، لكن "أهلها سيئو الخلق والطباع، نفورون محتالون متمردون مقاتلون، وهم يحاربون جميع الكفار المحيطين بهم وينتصرون عليهم. وملكهم يقال له خاقان الروس". وهو يؤكد على تلك العادات والتقاليد التي رآها ابن فضلان وابن خرداذبة من قبله بأكثر من نصف قرن حين يقول: "ويضعون على رؤوسهم قلانس لها عذَبات تتدلى إلى القفا، ويضعون مع الميت كلَّ شيء كان له من ثياب وحُليّ داخل القبر مع طعام وشراب".

لكننا نرى عند البكري (ت 476هـ) الذي جاء بعد ذلك بمائة عام أن ثمة تطورًا على المستوى التنظيمي كان قد حدث للأمة الروسية، فالبلغار المجاورين لهم أضحوا تابعين لهذه القوة الصاعدة، ورأينا لأول مرة تعدادًا بأعدادهم قائلاً: "وهم في نحو مائة ألف إنسان، وهم يغزون الصقالبة في السّفن. وبلكار (بلغار) تبع للروس وموافقون لهم، وليس للروس مزارع ولا كسب إلّا بسيوفهم".

إن المفارقة جد بائسة بين الروس الأقدمين، وبين العرب الأقدمين، بين الحضارة والبداوة، وبين التخلف والثقافة؛ ذلك أن ألف عام مضت على تلك الحالة، انعكست فيها الحقائق، وتبدلت فيها مفاهيم التقدم والتخلف، وصارت الأمة الروسية أمة من الخمسة الكبار في عالم اليوم، أمة القنابل النووية، والأقمار الصناعية، والقوة الجيوستراتيجية، والهيمنة العسكرية، لا تكاد تأبه لعربي بل لا تكاد تأبه لأراض العرب مجتمعة من مشرقها إلى مغربها!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.