في دارفور، مدينتان تنزفان بصمت العالم. الفاشر وبارا تشهدان أبشع المجازر على يد مليشيا الدعم السريع، بينما يقف المجتمع الدولي متفرجًا على مأساة إنسانية تهز الضمير العالمي..


كاتب، سوداني، باحث في الشؤون الإستراتيجية والأمن الاقليمي
في دارفور، مدينتان تنزفان بصمت العالم. الفاشر وبارا تشهدان أبشع المجازر على يد مليشيا الدعم السريع، بينما يقف المجتمع الدولي متفرجًا على مأساة إنسانية تهز الضمير العالمي..

في قلب دارفور، تقف الفاشر اليوم شاهدة على أبشع فصول المأساة الإنسانية في القرن الحادي والعشرين؛ فالمدينة التي كانت تُعرف يوماً بـ”عاصمة السلام والتعايش” تحوّلت إلى ساحة إبادة جماعية وخراب شامل..

رغم اشتداد الحرب السودانية وتراجع مؤشرات الاقتصاد الكلي، يظل البحر الأحمر وما يرتبط به من موارد بحرية وبنية لوجيستية غير مستغلة، فرصة نادرة يمكن أن تشكل طوق نجاة للاقتصاد الوطني..

على الجانب السوداني، شكّل صعود قوى غير تقليدية مثل قوات الدعم السريع، وضعف الدولة المركزية بعد الثورة، عاملا أربك المسار الأمني والدبلوماسي بين البلدين..

الإعلام العالمي بطبيعته يبحث عن العناوين السريعة والقابلة للتسويق.. تصوير النزاع باعتباره صراعا بين “البرهان وحميدتي” أسهل على القارئ الغربي من الدخول في تفاصيل شبكة معقدة من الانتهاكات..

في وقت تتسارع فيه الأحداث جاء لقاء رئيس مجلس السيادة، قائد الجيش الفريق أول عبدالفتاح البرهان، مع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية في سويسرا، ليشكل محطة مفصلية.

في تحول دراماتيكي يراهن على المستقبل، أعلنت قوات الدعم السريع، التي يقودها محمد حمدان دقلو “حميدتي”، عن تشكيل حكومة مدنية في المناطق التي تسيطر عليها، وتعيين حكام للمناطق التي لا تسيطر عليها!

الفاشر الآن تقف على حافة المجاعة.. انعدمت الأدوية، ونفدت المحروقات، وأُغلقت المدارس والمستشفيات! يمشي السكان عشرات الكيلومترات للحصول على الماء، في حين يُباع الخبز بأسعار تفوق قدرة أغلب الأسر..

يعيش السودان منذ أكثر من عامين حربًا دامية، مزّقت العاصمة والولايات، وأغرقت البلاد في أسوأ أزمة إنسانية منذ الاستقلال. لم تكن هذه الحرب انفجارًا عابرًا، بل نتيجة لتراكم طويل من الأزمات السياسية..

عوامل عديدة تقف وراء رغبة موسكو في إنشاء مركز للدعم اللوجستي للبحرية الروسية في ولاية البحر الأحمر بالسودان، ومبررات واضحة تدفع السودان للقبول بتلك الخطوة وفي هذا التوقيت بالذات.
